والحياة.. لمن استطاعَ إليها سبيلا

Blogs - Aleppo
أَنَا أحاولُ الكتابة بلا أصابع، والصُّراخَ بلا فم، والبكاءَ بلا عيون! أحاولَ أن أتنفَّس من خلال النَّص، لأنَّ الحاجة للكتابة أحيانًا تكون أشدَّ من الحاجة للأكسجين! أحاولُ ابتكارَ خامةٍ جديدةٍ للكتابةِ عليها تستطيعُ قياس مقدار الوجع في الكلمات، والشعور بكمية الاحتباس الحراري في الدموع، وفك تشفير الحزن!

لا أتحدَّث عن ذلك الحزن الناتج عن موت بطلك المفضَّل في المسلسل، ولا الحزن الناتج عن خسارة مغنِّيك المحبوب في "آرب آيدول"، إنَّما أتحدَّث عن ذلكَ الحزن الذي يغلي في قلبِ طفلة التهمَ الصَّاروخُ أفرادَ عائِلتها جميعَهم في ليلةِ قصف، وتركَ لها فتاتَ أشلائَه على صحنِ الفجيعة.

أَنا أحاولُ التأسيس لعملٍ دراميٍّ تراجيديٍّ، يجعلُ بان كي مون يشعر بمزيد من القلق، أكثر بقليل من الذي شعرَ بهِ.

أتحدَّث عن الشمعة التي لعنَّا الظلام ألف مرَّة قبلَ أن نضيئَها، كي لا تشوي لحمَ الصغار النائمين في ليلةٍ بلا كهرباء. أتحدَّث عن البرد الذي يخطفُ الصغارَ من حجورِ أمَّهاتِهم في أحدِ الكرفانات، لعائلةٍ قصفَ بيتُها بالحرب ولا زالت تتنظرُ منحةَ الإعمار!

أتكلَّمُ عن البحر الذي قالَ للشباب الهاربينَ إلى أحلامِهم: إنَّكم لن تستطيعوا معيَ صبرا، فقالوا: ستجدُنا إن شاءَ الله صابرا، فابتَلَعهم وأحلامهم ولم ينبئهم بتأويلِها!

أنا أحاولُ أن أقطعَ قطعةً صغيرة من ثوب الخوف، لأمسحَ بها عدسة الكاميرا، لتروا من خلالِها جيِّدًا، ولا أتحدَّثُ يا(رعاكَ الله) عن الخوف الذي تحسُّ بهِ عندما تكتشف في امتحان ما أنَّك دَرَست لمادة أخرى، ولا ذلك الخوف الناتج عن صعودك في أفعوانيه فوجيياما، أن أتحدث عن الخوف الحقيقي الذي تشعرُ به عندَما تستيقظ كلَّ صباح، لتتفقَّد أعضاء جسدك، وأشلاءَ أفرادَ أسرَتك إذا استطعتَ أن ترفعَ الأنقاضَ عنك!

أتحدث عن الخوف الذي تشعرُ به عندما يتجهُ صاروخُ "اف 16″، تجاهك وأنتَ تركضُ حاملًا أخاكَ الأصغر، فلا تعلمُ بعدَ سقوطهِ أتلمُّ أجزائَكَ أم أجزائه!

أَنا أحاولُ التأسيس لعملٍ دراميٍّ تراجيديٍّ، يجعلُ بان كي مون يشعر بمزيد من القلق، أكثر بقليل من الذي شعرَ بهِ عِندما قال: "أنصح نتنياهو بضبط النفس" بعدَ 300 شهيد حَصَدتهم دباباتهُ في ساعتين في الشجاعية.

وشيءٍ يدعو العرب لعقد قمَّة عربية، يجودون علينا بِها بفضل فصاحتهم، ونبوغِه اللُّغوي من كلمات الشجب والاستنكار، ولسوفَ تكونُ مكرمًة عظيمة إن خرجوا ببيانٍ نهائي لإدانة الحصار والعدوان على غزة، ولو عدةَ أسطرٍ تكتبُ بقلمٍ حبرٍ مستورد للتضامن بما مقداره 2.5 بالمائة من مقدار التضامن مع حوادث الإرهاب في الدول الأوروبية، ليبلغَ على الأقل نصابَ الزكاة عن عروبتنا، ولا بأسَ بعمل أوبريت طويل، تذكر فيهِ غزة وسوريا، بأحد المقاطع ليكونَ صدقةً جارية عنهم كلَّما عرضَ على الشاشة!

صدِّقوني أنا أحاولُ التوجُّع بكل حروف المد الموجودة بكل اللغات العالم التي تجتمعُ بشكلٍ دوريٍّ لحل مشاكل العالم، والنزاع بين القارات، وسوء الفهم بينَ المحيطات، والخلل في الاتصال مع الكواكب المجاورة، والازدحام المروري في خط سير المذنبات، ومد يد السلام مع الكائنات في العوالم الميتافيزيقية، ولكنَّ أقلامها تتشنَّج عندَ حروب غزة، وتصابُ أوراقُها بشدٍ عضلي عندَ القضية الفلسطينية!

أحاوُلُ تجميدَ نقطةِ عرقٍ في جبينِ شابٍ يحاولُ اجتيازَ، مسافة 14 ساعة في الباص، وعربة ترحيلات، وصحراءَ سيناء، وتأشيرةً منتهية، وجوازَ سفرٍ مرفوض، ومعبرًا مغلقًا ليصلَ إلى دولةٍ ما لا يعملُ فيها بائِعًا للفلافل وهوَ يحملُ شهادةً في الهندسة المدنية، ولا ترفضُ مؤسساتُها الشباب الذينَ يعانونَ من نقص فيتامين واو!

أحاولُ التوقَّفَ عن الحلم بالأشياء الطبيعية التي لا يضعُها النَّاس العاديين في دفاتر يوميَّاتهم، مثل امساك الثلج الذي يتساقطُ في مدينة ما في وطنك تبعدُ عنكَ ساعةً بالسيارة وحاجزًا مغلقًا!

ومثل التفكير بالكهرباء التي تنظمُ مواعيدها مع مواعيد الشفق في القطب الشمالي فتصبحُ ظاهرةً نادرة!
ومثل برامج التشغيل المؤقت التي تمتلئُ بأعدادٍ لوغاريتمية تتسابقُ على عقد ثلاثةِ شهور!

ومثل معبر رفح المغلق كتنوين الضم في نهايةِ جملةٍ على تحولية علاجٍ للخارج لطفل مصاب بالسرطان، المعبر المصري القاسي على الفلسطينين كالحجاج على أهل العراق! ولا أحاولُ أن أكونَ بطلةَ النص أو فارسةَ الكلمة، أو "معاذَ الله" ايجاد حل للانقسام، أو أيٍّ من تلك المشاكل فمثل هذه المعضلات لا يقدرُ على حلِّها إلَّا الله وحده.

أحاولُ الكتابة عن هذهِ المدينة التي يأتيها الموتُ من كلٍّ مكانٍ وما هيَ بميتة! وعن الآهات التي تسمعُ لها شهيقًا وهيَ تفور.

أنا فقط أحاول ازالة الكمامةِ عن فمي لأتناولَ جرعة من الأمل، ولأمارس حقي لطبيعي كأنثى في الثرثرة عن الثياب والموضة، والمشاكل اليومية التافهة، بدلًا من المعابر والحرب والانقسام!

أحاولُ عملَ اعتصامٍ سلمي على ورقةٍ بيضاء، والتظاهر أنا وكل هذهِ الكلمات ضدَّ كل الحكومات والمسئولين الذينَ لهم يد في حصارنا، أحاولُ رفعَ لافتةِ احتجاج في وجه كل رصاصة وكل صاروخ وكل حرب.

أحاولُ أن أعيدَ برمجةَ الذاكرة بحيثُ أحذفُ منها العشر سنوات السابقة، وأركضُ لأتابع سبيستونَ بدلًا من نشرات الأخبار!

أحاولُ الكتابة عن هذهِ المدينة التي يأتيها الموتُ من كلٍّ مكانٍ وما هيَ بميتة! وعن الآهات التي تسمعُ لها شهيقًا وهيَ تفور، وعن حكايات الأسى التي تقولَ لها هلِ انتهيت فتقولُ: "هل من مزيد؟"

عن النصف الفارغ من الكأس، والوجه المظلم من الحكاية، والشعر الأبيض في رأس الشباب، وعن الحياة التي أصبحت لمن استطاعَ إليها سبيلا! عن الصبح البعيد الذي يلوحِ لي وأن أقرأ "إنَّ موعدَهم الصبح، أليسَ الصبح بقريب".