كيف بدأ "غابريال غارسيا مركيز" الكتابة بالرسم؟

blogs- غابرييل
– المهمة الصعبة
كلنا يرنو لأن يكتب، ويقرأ له الجميع دون استثناء، لا نكران في ذلك، قد نختلف في البدايات؛ كيف كتبنا أول مرة وماذا كتبنا؟ ويستمر الاختلاف إلى النهاية، إلى القمة من يستمر في الكتابة ومن يتوقف؟ هذا الأمر مرهون بالقارئ الذي تمتد سلطته لتصل إلى عرش روح الكاتب، فيصبح القارئ حاضرا في كل كلمة تكتب، يمارس سلطته بطريقة ربما هي موجودة فقط في عقل الكاتب، فترى البعض يكتب ويلغي ويمزق ويحذف فقط لأنه تصور أن ذلك لا يرضي القارئ. وربما قد يصل الأمر إلى ما يعرف بحبسة الكاتب والتي هي حالة استعصاء الكتابة على من بدأها أول مرة.
 

– كيف بدأت الكتابة؟ بالرسم!!
قد يبدو الأمر غريبا أو صعب التقبل حين يسألك أحد ما كيف بدأت تكتب فتجيبه بالرسم؟ أيعقل أن نكتب رسما؟ لكن هكذا أجاب غابريال غارسيا مركيز في حوار أجراه لمجلة باريس ريفيو كيف بدأت بالكتابة؟ فأجاب "بالرسم، برسم الكارتون، قبل تعلمي للقراءة أو الكتابة اعتدت أن أرسم الشخصيات الكارتونية في المدرسة والمنزل.

بدأ الماركيز الكتابة بالرسم كنوع من الاسترسال في التعبير حتى تمكن من تحويل لوحاته الداخلية إلى كتابات.

المضحك في الأمر أنني عندما كنت في المرحلة الثانوية كان الجميع يعتقد بأنني كاتب، برغم عدم كتابتي لأي عمل أدبي حينها". ماركيز بدأ الكتابة كما بدأها الإنسان بالفطرة أول مرة "تصويرية" يعبر بالرسم على جدران الكهوف والمغارات والمعابد والقبور، يرسم الشمس كقرص تحيطه أشعة، أو يرمز برأس الثور إلى "الألف" كما في اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة.
 

فالرسم هو طفولة الكتابة، إذا أخذنا الأمر من زاوية التعبير عن النفس أو الإبداع، فداخل كل واحد فينا هناك رواية أو قصيدة تنتظر دورها لتخرج بطريقة ما، إما رسما أو غناءً، أو تمثيلا، كيف لا ونحن نرى على شاشات التلفاز قصائد تغنى، أو روايات تمثل، أو حتى قصصا تصور على شكل لوحات تعبيرية ويكون فيها كم كبير من الإثارة والتشويق، ولا أدل على ذلك من لوحة الموناليزا لصاحبها ليوناردو دافنشي أو لوحة الصرخة لإدفارد مونك، التي حملت شهرة واسعة نظرا لدرجة تركيز الدراما وهاجس الخوف فيها، حتى أنها نالت قسطا وافرا من التحليلات النفسية والوجودية، رغم بساطة اللوحة وسطحيتها لمن يراها أول مرة.
 

وحتى الموناليزا تلك المرأة صاحبة الابتسامة المحيرة، كانت رسما وأصبحت قصة للقاصي والداني، حتى قيل فيها ما قيل، فهي حزينة، غامضة، حامل، مكتئبة، إلى أن قيل هي "ليوناردو دافنشي" ذاته، بل هي تعبير عن شذوذ الرسام، ومثليته، وفي النهاية لكل زمان تحليله الخاص لهذه اللوحات.
 

من ذلك نفهم كيف بدأ الماركيز الكتابة بالرسم كنوع من الاسترسال في التعبير حتى تمكن من تحويل لوحاته الداخلية إلى كتابات، لكن!! هل دُفِع للكتابة دفعا؟ أولئك القُرّاء المفترضون الذين كانوا يعتقدون أنه سيصبح كاتبا رغم أنه لم يكتب حينها أتراهم جعلوا منه كاتبا عالميا؟
 

– الكتابة عند الصفر
يقول ماركيز "في إحدى الليالي أعارني صديقي كتابًا لفرانس كافكا. عدت إلى غرفتي وبدأت بقراءة كتابه "المسخ". صعقني أول سطر قرأته وكدت أن أسقط من على السرير. كنت مندهشًا للغاية. "بينما استيقظ غريغور سامسا في ذلك الصباح من كوابيسه، وجد نفسه وقد تحول في سريره إلى حشرة عملاقة" عندما قرأت هذا السطر فكرت وقلت: لا أعرف أحدًا يُسمح له أن يكتب بهذه الطريقة. إن كنت أعرف، لكنت بدأت الكتابة هكذا منذ زمن".
 

البعض يكتب فينال مكانة رفيعة، والبعض الآخر لا. فيصاب بحبسة تمنعه من العودة للكتابة مجددا. لكن ماركيز بعد بلوغه ما بلغ، بقي عالقا في ذهنه ما يعانيه الكاتب في بداياته.

يعيدنا هذا لقضية القارئ "العمدة" كما يسميه "ميشال ريفاتير" ذلك الذي يشكل هاجسا يقبع داخل كل واحد منا، ذلك القارئ الذي سيجعل من كتاباتك هباءً منثورا، أو ربما سيجعل منك ملكا على عرش الكتابة، بطريقة أو بأخرى أنت تكتب له وحده، وترجو أن تنال كتاباتك إعجابه، ذلك ما قاله غابريال غارسيا مركيز مرة في حياته" أنا مقتنع تمامًا، أنني سأقوم بكتابة أعظم كتاب في حياتي، ولكني لا أعرف كيف ولا متى.
 

عندما يمر بي شعور مماثل -سأجلس بهدوء وأنتظره، كي أقبض عليه حين يمر ثانيةً" هكذا فكر ماركيز حين أجّل الكتابة إلى إشعار آخر، ما أحس به شكل له صياغة أخرى لمفاهيمه حول الكتابة، فوجد أنه تأخر كثيرا لأن هاجس "القارئ" سيطر عليه، فجعله خائفا من الرفض من عدم تقبل كتاباته، أو لنكن أكثر دقة، كان يخشى" تتفيه ما يكتب" وهذا ما حصل ويحصل مع الكثيرين منا.
 

البعض يكتب فينال مكانة رفيعة، والبعض الآخر لا. فيصاب بحبسة تمنعه من العودة للكتابة مجددا. لكن ماركيز بعد بلوغه ما بلغ، بقي عالقا في ذهنه ما يعانيه الكاتب في بداياته، فقال: "إن كان عليَ إسداء نصيحة لكاتب شاب، سأقول له أن يكتب عن شيء حدث له" فما حدث لنا كبير ويفوق الوصف، لكننا أبدا لم نستطع التخلص من شبح القارئ المخيف. لأننا يوما ما كنا نحن ذلك القارئ.