عن الموتِ الذي نَفرُ مِنه!

BLOGS-- بعد الموت
ليس للموت وجه آخر حين يذكر، إنه وجهُ الحقيقةِ العاريةُ عن كل تجمل، وجه صادم جاف غير مبالٍ مطلقا بآهات التوجع والفِراق، يباغتنا كوحش مخيف لينزعنا نزعا عن كامل الأشياء، من بيتنا من أحبائنا من تفاصيلنا الصغيرة التي اعتدناها واعتادتنا.

في الأفق شمس دؤوبةُ محاطةُ بطقوسِ الرحيلِ، يدنوها نهرُ متعرجُ تعكس صفحتهِ تلك الطقوس؛ لأراها أنا مرتين؛ مرةً بعيني الصغيرة وأخرى بعين ذلك النهر الكبير الجارٍ، مرتان يؤكدان في داخلي المعنى كأشدِ ما يكون، معنى الغياب معنى اندثار الأشياء تحت جنح الظلام، ثم ظهورها مجددًا متجددةٌ منتشيةٌ مضافًا لها عبقَ الصباح وتاريخ يوم جديد.

كل ما علينا فعله أن نقرأ القرآن له فتأثيره فائقُ في مثل هذه الحالات، هل حالته متأخرة إلى ذلك الحد؟! هل تعلم شيء وتخفيه عني؟! نعم يا أحمد سيفارق جدنا الحياة فقد أصابه مرضٌ خطير ولا سبيل معه لوقت أو علاج.

تقبلت ما سمعتُ بقلبٍ لا يفهم مآلات الأمور، فالأمور ومآلاتها لا تدرك إلا بالتجربة وأنا بعد ما زلتُ طفلاً صغيرًا يحبو نحو عالم الكبار. جسد نحيل فارع الطول مُمَددُ على سرير عتيق في غرفة طينية قديمة محببة إلى النفس، حوائطها سماوية اللون وكذلك سقفها؛ تنقلك من مجرد كونها غرفة إلى كونها سماء مفتوحة لا حدود لها، الجميع يحيط به في ترنيمة وداع، وهو يتهادى بصعوبة إلى شهيقه وزفيره، والألم به يشتد.
 

كورقة في شجرة على ارتفاع شاهق مزدانة مخضرة بالأمنيات والأحلام والتفاصيل المتشابكة ثم فجأة اصفرار يحل بها وسقوط مدوي، سقوط ينزع معه قلوب كل الأوراق المحيطة.

يتسآل هل لي بذلك المسكن والدواء الذي يريحني؟! جلبوه له قبل ذلك مرات ومرات لكنه أبدا لم يؤثر، فالألم فتاك مستمر في التصاعد، وهو في قبالته لا حول له ولا قوة !

آهات لا تنتهي وطلب للوقوف قليلاً، تسنّده الأيادي بحرصٍ وحب، يقف موجوعا ليحتضن أبنائه واحدًا تلو الآخر، يبكي ليبكي الجميع، يقول قولة لا زالت تتردد أصدائها في نفسي " أنا مش خايف من الموت، بس انتوا هتوحشوني قوي !"، استسلامُ وسكون إلى دموعِ توثق وشائج اللحظة، لحظة سرمدية توقف الوقت في موازاتها، فيها تذوق الجميع معنى الموت أو بالأحرى ما سيترتب عليه من انفصال وفراق.

في محاولة بدائية للهروب من تلك الأجواء أنشأت عائدًا إلى بيتي، استلقاء على سرير ينتظرني منذ أمد، أحلام غريبة عجيبة في الانتظار، قلق وأرق ثم استغراق في نوم عميق، صحو تدريجي على نشيج أحدهم، رأس تختبأ تحت الوسادة في محاولة طفولية مني للهروب مما ينتظرني من أخبار سيئة، خطوات تقترب وصوت متهدج باك يقول "اصحى سيدك مات".

في تلك اللحظة بدأت فعليا معرفة معنى الموت، معنى أن يتخطف القدر أحدهم من وسطنا ليحيله ذكرى وصورة غيبية نستحضرها فقط باللسان والرحمات. إن التعارف الأولي على الأشياء يبقى ويستمر، ليس فقط كحكاية وذكرى ولكن كتأثير ممتد وصورة راسخة تعاود الظهور علينا كلما واتتها فرصة.

كورقة في شجرة على ارتفاع شاهق مزدانة مخضرة بالأمنيات والأحلام والتفاصيل المتشابكة ثم فجأة اصفرار يحل بها وسقوط مدوي، سقوط ينزع معه قلوب كل الأوراق المحيطة، لتبق تلك الورقة الساقطة جزءًا لا يتجزأ من صيرورة الحياة، ولتبق الأوراق المحيطة سلسال من السقوط المنتظر لكن لكل دوره وميعاده، جيل يسلم جيل، ومرور حتمي على موت هناك لابد في الانتظار.

أتذكر جيدا "ترانيم في ظل تمارا" تلك الأقصوصة الشاعرية الحانية، والتي لم تفتر تطالعني بعبقها الآخاذ كلما مر ذكرها بخاطري، أتذكر الترنيمة الأبرز لتلك الأقصوصة الجميلة والتي قال فيها عفيفي على لسان العجوز بطل قصته "لا أريد أن أموت قبل أن أكمل رسالتي أو على الأقل أعرف ما هي" !

نحن حتمًا سائرون إلى نهاية، والفائزُ منا من يوازن بين بدايته ونهايته، الفائز من لا تميل به الكفة صوب أحد الأطراف، صوب حالة منفلتة يغريها طول الأمد و لا تر شيئًا سوى حياتها وتفاصيلها المتشعبة، أو صوب حالة كافة مانعة نفسها عن إتيان الحياة والاستمتاع بها، فلنفز إذا بسعينا المتواصل وتوازننا وبصمتنا المطبوعة على جدار الحياة، بصمةُ تدري أن صاحبها يومًا ما سيغادر؛ وهي ستبقى لتمثله وتخلد أثره !