ضد "البرقع" مع حرية المرأة

blogs-البرقع
تناقلت عدة وسائل مغربية خبر إقدام وزارة الداخلية المغربية على حظر تداول وبيع وارتداء لباس "البرقع"، وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعية عدة تدوينات مع وضد هذا القرار، الذي لم يتأكد رسميا حتى الآن، لأنه لم يصدر أي شيء رسمي عن السلطات المغربية يؤكده أو ينفيه. وحتى الخبر الذي تم تداوله فهو يخلط بين "البرقع" و"النقاب" و"الحجاب"، مع أن الفرق واضح بين أنواع اللباس الثلاثة، لذلك اختلفت التعليقات وتضاربت بين مؤيدين ومعارضين.

في البداية لا بد من الإشارة إلى أن ثقافة المنع، عن طريق قرارات غير صادرة عن مؤسسات منتخبة ذات مصداقية، وبدون نقاش ولا قوانين تنظمها وتشرحها وتبررها بالحجج والأدلة التي تفيد خدمة المصلحة العامة، تبقى ثقافة مذمومة ومرفوضة. لأن المبدأ في كل شيء هو الحرية خاصة عندما يتعلق بنمط عيش الناس وأسلوب حيتهم وطريقة لباسهم وأذواق أكلهم. ولا يتعلق الأمر هنا بما هو محرم دينيا حسب اختلاف الأديان، لأن من ارتضى لنفسه دينا عليه أن يٌسلم بما يحرم عليه ويحله له كشرط لالتزامه الديني بعقيدته.

الحجاب والنقاب، وجدا دائما في كل المجتمعات، كما "البرقع" الذي يشبه "القناع" ارتبط بثقافة سكان شبه الجزيرة العربية، وعند بعض القبائل البدوية في الصحراء الكبرى في إفريقيا

فثقافة الحظر هي ضد ثقافة حقوق الإنسان التي تضمنها وتحميها الشرائع الكونية والمواثيق والمعاهدات الدولية، فكيف إذا تعلق الأمر بحرية اللباس. فلا يمكن أن نحظر على الآخر لباسا معينا فقط لأنه لا يعجبنا. وحتى في الدول الديمقراطية التي سنت قوانين تمنع هذا النوع من اللباس وبررت قراراتها بدواعي أمنية لم تسلم من انتقاد المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، وعلى رأس هذه الحقوق حقه في امتلاك حريته الفردية في التفكير والتعبير والتنقل واللباس والأكل.

وفي الفترة الأخيرة انتشر مفهوم جديد هو "حرية اللباس"، لكنه غالبا ما كان يستعمل للدفاع عن حق المرأة في اختيار نوع لباسها الذي يعتبره البعض غير "إسلامي". وبما أن الحرية واحدة ولا يمكن تجزئتها، فيجب أن تسري هذه الحرية حتى على المرأة التي تختار لباسا آخر مختلفا قد يحمله البعض حمولات إيديولوجية أصبح اليوم يرمز إليها نوع من اللباس الذي يوصف بـ "الملتزم".

لكن، في البداية لا بد من التمييز بين ثلاثة أنواع من اللباس التي غالبا ما يقع الخلط بينها إما جهلا أو عمدا. فالبرقع ليس هو الحجب وليس هو النقاب. كما أن البرقع التقليدي الذي انتشر عند بعض القبائل البدوية في شبه الجزيرة العربية، وخاصة في سلطنة عمان، لا علاقة له بما يمكن أن نصفه بـ "البرقع" الأفغاني، الذي انتشر في العالمين العربي والإسلامي مع انتشار الأصولية الدينية الراديكالية التي أسس لها تنظيم "القاعدة" وحركة "طالبان" الأفغانية.

فالحجاب والنقاب، وجدا دائما في كل المجتمعات، كما "البرقع" الذي يشبه "القناع" ارتبط بثقافة سكان شبه الجزيرة العربية، وعند بعض القبائل البدوية في الصحراء الكبرى في إفريقيا التي تمتد من موريتانيا حتى تخوم نهر النيل في السودان. لكن هذا النوع من اللباس لم يحمل في أي يوم من الأيام أية حمولة دينية أو إيديولوجية، وإنما فرضته طبيعة الطقس الصحراوي الذي كان يجبر المرأة على تغطية وجهها لصد لهيب الحر وحماية بشرتها من رمال الصحراء.

والأكيد أن هذا اللباس كان اختياريا، ولم يكن في أي زمان مفروضا بتعاليم دينية أو بواسطة أية سلطة ذكورية. وبالتالي فهو لم يمكن في أي يوم من الأيام يرمز إلى اضطهاد المرأة بأي شكلٍ من الأشكال، بل إن النساء البدويات كن يتفاخرن في تزيين "براقعهن"، وغالبا ما كان "البرقع" يرمز إلى نضج أنوثة المرأة، لأن الفتيات البالغات هن من كن يفضلن ارتداءه اعتناء بطراوة بشرة وجوههن.

وعند بعض القبائل العمانية كان البرقع يرمز إلى خصوبة المرأة، وهو بمثابة إعلان بلوغها سن الزواج. بل نجد أنه في بعض المناطق من عمان كان "البرقع" حتى خمسينات القرن الماضي يرمز إلى المرأة الحرة، وتمنع "الإيماء" من ارتدائه، وعند إلغاء الرق في عمان أصبحت الكثير من النساء تٌقبلن على ارتدائه كرمز على تحررهن.

وإذا كان الأمر لا يتعلق بالحجاب أو النقاب أو "البرقع" التقليدي، فما هو نوع اللباس المقصود بالمنع، وموضع النقاش المحتدم اليوم على المواقع الاجتماعية في المغرب؟
الأمر يتعلق باللباس الذي يوصف بـ "الأفغاني"، والذي غالبا ما ترتديه بعض النساء المحسوبات على التيار السلفي الراديكالي. وهو نوع من الغطاء، غالبا ما يكون من لون واحد داكن، يغطي المرأة من رأسها إلى أخمص قدميها. وفي اللغة الدارجة المغربية يوصف بلباس "النينجا" نسبة إلى المقاتل الأسطوري الياباني الذي يرتدي لباسا أسودا ويلف نفسه بكثير من الغموض الغرائبي.

وفي الثقافة الإسلامية نكاد لا نجد أي أثر لوصف مثل هذا اللباس، وأكثر من ذلك لا وجود لأي نصوص مبنية على مصادر موثوقة تؤكد فرض ارتداءه. بل إن ما هو شائع في الثقافة الدينية الإسلامية هو أن النساء كن تطفن بالكعبة في عهد النبي محمد وهن سافرات الوجوه، بل وحتى قبيل حجة الوداع كانت النساء تطفن عاريات وفي اختلاط تام مع الرجال. ولا أحد يتساءل اليوم لماذا تمنع بعض الدول العربية والإسلامية الاختلاط في حين أنه مسموح به في واحد من أقدس الأماكن عند المسلمين آلا وهو الحرم المكي؟!

لذلك، فإن من يدافعون اليوم عن "البرقع" (الأفغاني) على اعتبار أنه لباس "إسلامي" هم مخطئون، وهم أصحاب إيديولوجيا يريدون فرضها على الناس ولا علاقة لها لا بالدين ولا بتقاليد مجتمعاتهم. أيضا، من يريدون منعه فقط لأنه لا يعجبهم أو يشوه جمالية شوارع وأزقة مدنهم، ليس لديهم الحق الذي يخولهم مثل هذه السلطة حتى لو تلعق الأمر بسلطة معنوية.

ما بين المنع والحرية أجد نفسي انتصر للحرية، لأن الحرية يمكن تحمل تجاوزاتها بينما يصعب التخلص من قيود المنع

كيف يمكن إذن أن تكون ضد "البرقع" الأفغاني ومع حرية المرأة في أن تلبس ما تشتهيه؟
نعم، يمكن أن تكون ضد ثقافة "البرقع" الأفغاني التي تريد أن تفرض وصايتها على المرأة، ضد الثقافة التي يرمز إليها هذا النوع من اللباس وهي ثقافة تحتقر المرأة وتنظر إليها كـ "عورة"، ضد الثقافة التي تريد تشيء المرأة، أي تحويلها إلى "شيء" هلامي يتحرك بلا وجه ولا ملامح، وهي لا تختلف في عمقها عن ثقافة العري التي تريد تسليع المرأة أي تحويلها إلى سلعة للعرض والطلب.

كما يمكن أن تكون مع حرية المرأة في أن ترتدي ما تشاء، برفضك لثقافة المنع، ولسياسة الحجر على الحريات الخاصة التي تتدخل في طريقة عيش الناس، ولكل أنواع الوصاية على النساء بحجة أنهن ناقصات دين وعقل ومصدر للفتن والشهوات.

وما بين المنع والحرية أجد نفسي انتصر للحرية، لأن الحرية يمكن تحمل تجاوزاتها بينما يصعب التخلص من قيود المنع، وأنتصر للجمال ضد البشاعة.. فالله جميل يحب الجمال لذلك خلق المرأة جميلة ليرَها ويحبها الرجال.