تصدير التسحيج

blogs - turkey

انتشرت في أواسط المجتمعات العربية مصطلحات لم تكن شائعة قبل فترة الربيع العربي، وقد استخدمت هذه المصطلحات لتوصيف كل الأطراف، من أيدوا الثورات ومن أخذوا موقف الحياد منها وأخيرًا من عارضوها.
 

تختلف هذه المصطلحات باختلاف لهجات الدول، واختلاف مواقف الواصفين والموصوفين، حتى أصبح الإنسان العربي يجمع أكثر من وصف في آن واحد، فهو الثائر عند طرف والمندس عند طرف آخر، هو القلم الحر والقلم المأجور، وغيرها من المتناقضات التي تستخدم على نفس الإنسان وبنفس الموقف ولكن حسب منظور كل طرف.
 

"الشبّيح" في سوريا شخص مستفيد من النظام بالمقام الأول، هو مستفيد طائفيًا أو حزبيًا والذي سينعكس بالضرورة على استفادته المادية، حتى لو كان ذلك على حساب شعبه ومطالبهم.

بنظرة "مادية" بحتة، مبنية على مراعاة المصالح الشخصية، كان "البلطجي" في مصر له ما يبرر "بلطجته"، فبغياب القضية والفكر، كانت الأموال التي يجنيها "البلطجي" من مناصري النظام الأسبق ورجال الأعمال المؤيدين له، كفيلة بأن تجعله ينفذ أوامر دافعي الأموال، دون النظر للبعد المجتمعي والأخلاقي والإنساني في منطلقات من يقوم بإيذائهم.
 

أيضًا كان "الشبّيح" في سوريا شخص مستفيد من النظام بالمقام الأول، هو مستفيد طائفيًا أو حزبيًا والذي سينعكس بالضرورة على استفادته المادية، حتى لو كان ذلك على حساب شعبه ومطالبهم بالحرية، وتكررت هذه الحالات في بلدان أخرى بتسميات مختلفة يجمعها بالمقام الأول الفائدة المادية.
 

ما يلفت النظر ويستحق التأمل بين هذه المصطلحات مصطلح "السحّيج"، فهو في الغالب لا يستفيد ماديًا من "المسحّج له" وكثيرًا من يكون "تسحيجه" بوازع شخصي، مبني على قناعات شخصية بضرورة التبرير والتصفيق، ويكون معياره هنا الفاعل وليس الفعل نفسه، فهو قد يرفض الفعل ثم يعود ليصفق لنفس الفعل بعد فترة، وذلك باختلاف الفاعل، إيمانًا منه بأن الفاعل شخص لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، ويسوق في ذلك المبررات التي يطالب غيره بأن يقتنع بها من عدة أبواب، إما باب "إحسان الظن" أو "الثقة بالمقاصد الخفية" أو "ظروف الفاعل"، وكثيرًا من يستخدم تبريرات تخرج من لسانه قبل أن تخرج من عقله، فتكون وليدة الحوار لا وليدة الاعتقاد والتفكّر.
 

في الفترة الأخيرة تم تصدير هذا "المنتج العربي الأصيل" خارج حدود بلادنا العربية، دون إذن أو طلب استيراد من الجهات المصدر لها، نصدره لتركيا وروسيا وإيران وغيرها من البلدان ذات الحضور القوي على الساحة العربية، وإن كنّا صادقين مع أنفسنا فإن الحالة التركية هي أكثر ما يلفت النظر بهذا الخصوص، فهي لا تستعدي شعوبًا عربية وليس لها أجندات توسعية كإيران مثلًا التي يؤيدها المستفيدون من برامجها، بل لتركيا تاريخ جيد في مناصرة الشعوب العربية وحركات الربيع العربي وبالتالي فهي ما يعنينا بالمقام الأول.
 

معيار القبول أو الرفض يكون الفعل لا الفاعل، فلا يعني انتقادنا أو مخالفتنا لمواقف من نحب أننا نتخلى عنهم أو نخرج من ركبهم.

ولفهم الحالة التركية حاول أن تمعن النظر في وسائل التواصل الاجتماعي أو إن كان لك أصدقاء أتراك، سترى كم النفور الذي يبديه الأتراك بخصوص هذا الشأن، فترى حوارًا بين شخص تركي و"مسحّج" عربي، يعاني فيه المحاور التركي في إثبات خطأ يتعلق بسلطات أو شخوص النظام التركي، أمام إنسان عربي يعزف من ألحان "التسحيج" ما يعجز أشد مناصري النظام التركي على عزفها.
 

لتركيا مكانة كبيرة في قلوب العرب والمسلمين، فهي تمثل نموذجًا عصريًا للدولة المسلمة المتقدمة، ولكن النظام التركي بشخوصه بشر يخطؤون ويصيبون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، لا نقبل التصفيق لعثراتهم ولا نقبل التقليل من إنجازاتهم، هذا حقيقة بل بديهية يجب أن يعلمها إخواننا الذين "يسحجون" لتركيا ولغيرها على الحق والباطل.
 

فمعيار القبول أو الرفض يكون الفعل لا الفاعل، فلا يعني انتقادنا أو مخالفتنا لمواقف من نحب أننا نتخلى عنهم أو نخرج من ركبهم، بل هذا دليل صدق المحبة والتأييد، ولنا في أسرى بدر العبرة، فلم يخالف عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- كرهًا له، أو خروجًا عليه و تخليًا عنه، بل تأييدا له وللدين الحنيف بالاختلاف معه لا عليه، أيضًا لم يجد عمر بن الخطاب في علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- شخصًا يؤيده في كل شاردة وواردة بل مقوم له في كثير من الأمور ليقول عنه "لولا علي لهلك عمر".