القبيلة والسلطة في السودان

BLOGS-SUDAN

ظلت القبيلة في تاريخ السودان القديم والحديث هي المحور الذي يستمد منه المجال السياسي والديني والأمني والاقتصادي والثقافي قوته. لا يوجد مؤسسة يمكنها أن تضاهي القبيلة في السودان بل العكس أن المؤسسات وليدة القبيلة والمحرك الفعلي للتاريخ السوداني أي هي التي تنتج التاريخ حتى أصبح من المستحيل كتابة التاريخ السوداني من دون ذكر القبيلة او رموزها.

من هنا يمكن أن نبحث عن أسباب انحطاط السودان كدولة وتخلف الشعب السوداني. معظم الدراسات عن اسباب أزمة السودان شعباً ودولة كانت تنطلق من المجال الاجتماعي الذي يتشكل من الثقافة والاقتصاد وتاركين دراسة البنية الثقافيةُ والاقتصادي في ذاتها مما أنتج دراسات وصفية لم تضيف

أصبح ظهور القبيلة كمؤسسة موازية للدولة مع انهيار المماليك المسحية في شمال السودان ووسطه بعد أن غاب فيها الدور الفعلي للقبلية أي كمصدر للسلطة لوجود الدين المسحي كدين للدولة المنتصر والوريث الشرعي للحضارة السابقة له

الكثير عن دور القبيلة في السودان.

إذا كيف أصبحت القبيلة هي القوى المحركة والمؤسسة للدولة وللمجتمع السوداني؟ للإجابة على هذا التساؤل يجب أن نرجع إلى الماضي إلى تلك المماليك التي أنشأه الإنسان السوداني منذ كوش مرورا بالممالك المسحية والإسلامية إلى الدولة السودانية الحديثة.

لا يمكننا أن نضع لمسات حول دور القبلية في حضارة كوش لعدم توفر المعلومـات الكافية عن شكل البنية الاجتماعية في ظل حضارة كوش لكن اظن غياب القبيلة كقوة في تلك المماليك بسبب مركزية الدولة التي تعتمد سلطاتها على وحدة الدين والجيش.

لقد أصبح ظهور القبيلة كمؤسسة موازية للدولة مع انهيار المماليك المسحية في شمال السودان ووسطه في تلك المماليك المسيحية غاب فيها الدور الفعلي للقبلية اي كمصدر للسلطة لوجود الدين المسحي كدين للدولة المنتصر والوريث الشرعي للحضارة السابقة له مما فرض وحدة متجاوزة للشكل التقليدي فكان الانتماء للكنيسة هو انتماء إلى الدولة وهذا التطور يشابه ما حدث في أوربا بعد انتشار الدين المسحي كهوية اجتماعية وسياسية تتوحد حوله الشعوب.

كل هذا يرجع الى الظرف التاريخ لنشوء المسحية خارج مؤسسة الدولة والقبلية أو العرق لم يطلب النبي عيسى عليه السلام من قبليته النصرة ولم يرسل من أجل عرق معين كما لم يسع للسلطة لأن هناك دولة قائمة فغابت القبلية والعرق والسلطة من الإنجيل، لكن بعد انهيار المماليك المسيحية وقيام مملكة سنار عادة القبلية تلعب دوراً مهم في حركة المجتمع حتى مملكة سنار كان عبارة عن تحالف قبلي بين الفونج والعبدلاب الفونج في وسط السودان والعبدلاب في شماله.

إذا ما هي أسباب عودة القبلية في هذه المرحلة من تاريخ السودان؟ عندما تحدثنا عن أسباب ضمور القبلية في المماليك السابقة لسنار قلنا بسبب الدين المسحي الذي أنتج مركزية سياسية وثقافية متجاوزة للقبلية لكن انهارت تلك المماليك مع دخول الإسلام كدين منافس في السودان.

أصبح الاسلام رأسمال رمزي وثقافي وسياسي للقبائل العربية الحديثة واستخدم كقوة ضد الدولة المسحية حتى سقطت مملكة علوة ونوباتيا حينها قامة مملكة سنار إسلامية الدين قبائلية التركيب الاجتماعي وظلت تلك المملكة في حدود التحالفات القبلية ونهضت المظاهر الثقافية المختلفة في تركيبة السودان لتعبر عن نفسها بأشكال مختلفة وبالرغم من توسع مملكة سنار وشملت تحتها كل القبائل العربية وغير عربية إلا هذه المملكة الإسلامية لم تكن قادرة على استيعاب البناءات القبلية والإقليمية ضمن وحدة حضارية وطينة مركزية كما حدث في المماليك السابقة لها.

كانت المملكة قائمة على الولاءات القبلية والإقليمية كنوع من التحالف العريض ولم تستطع في كثير من الحالات أن تمنع حتى أغارة القبائل بعضها البعض واستخدم الإسلام من قبل القبائل العربية كأيديولوجيا لتدمير المماليك المسحية واستخدم كذلك في باقي السودان لإنشاء المماليك ولشن الحروب.

إذا يمكن أن نرجع أسباب ظهور القبيلة كقوة بعد انهيار المماليك المسحية لدخول الإسلام في السودان هنا تظهر كذلك النشأة التاريخية للإسلام التي تختلف من نشأة المسحية فالإسلام كان دين القبيله والعرق العربي فالرسول محمد ص كان ابن قريش وأسلمت سكان الجزيرة كان عبر دخول القبيلة للإسلام ونصرت النبي كانت عبر قوة القبيلة في مكة والمدنية صحيح بعد انتشار الإسلام في معظم الجزيرة العربية وأصبح سلطة سياسية تحول الانتماء إلى الإسلام وليس للقبيلة لكن لم يتم تفكيك القبيلة النواة المؤسسة للجماعة أو الأمة. 

هذه الأزمة ظلت موجودة تستمد منها قوة الشرف والسلطة، وتمظهرت بعد وفات النبي مباشراً،و الدليل على ذلك الخلاف حول خلافة الرسول ص وحرب الردة إلى الفتنة الكبرى تلك النشأة التاريخيّة للإسلام لذلك كانت المجموعات العربية السودانية أصبحت تبحث عن كيان يمثلها بالخصوص بعد سقوط دولة الأندلس والانحطاط الذي حدث في باقي الدول الإسلامية هذا هو الهدف الأساسي لتدمير مملكة علوة ونوباتيا فما كان أمامها إلا أن تتحالف كقبائل وليس كقوة قومية.

من ضمن أسباب توسع الصوفية بهذا الشكل كان ضعف المماليك الإسلامية على المستوي الاقتصادي والعسكري وفساد رجالها فانتشرت دائرة الحرب في معظم السودان

هنا تظهر أسباب عودة القبيلة إلى السلطة إبان سقوط المماليك المسحية ولكن مع ذلك كان انتشار الإسلام في السودان وامتزاجه مع باقي الثقافات السودانية ظهرت حركة التصوف في السودان، التي تتميز بمحلية انتاجها وقوميتها ولقد استطاعت الحركة الصوفية في السودان أن تتجاوز أطر القبيلة والإقليمية والعرقية أصبح سلطان الشيخ الصوفي يمتد إلى آفاق جديدة خارج تلك التقسيمات وبرزت تجمعات طائفية أساسها الولاء للشيخ وللطريقة الصفوية.

إذن أصبحت الصوفية شيئاً بعد شيء مركز الاستقطاب الوحيد الناشئة على سطح الولاءات القبلية والإقليمية ولكنها كانت مركزية هي بدورها متعددة المواقع فهي قد استحوذت على أكثر من قبيله ولكنها لم تنشئ كياناً لها يستند إلى حلف القبائل الموالية بل ظلت تضعف الولاءات القبلية لمصلحتها دون أن تعطي هذه المصلحة نتائج محددة لم يكن الاستقطاب الصوفي يتجه إلى بناء كيان محدد عبر اضعافه للولاء القبلي طرح التفكيك في روح القبلي ولم يطرح التركيب البديل فبقي السوداني قيد الاستحواذ بالطرفين الصوفي والقبلي.

ومن ضمن أسباب توسع الصوفية بهذا الشكل كان ضعف المماليك الإسلامية على المستوي الاقتصادي والعسكري وفساد رجالها فانتشرت دائرة الحرب في معظم السودان فكان لابد من بديل تلتف حوله الشعوب والقبائل هذا البديل المركزي يجب أن يتجرد من اي سلطة عسكرية فكانت الصفوية حركة ذات سلطة روحية دورها القيام بالصلح بين القبائل المتصارعة ومأوى للفقراء والعبيد هنا نجد سبب رفض التصوف لإنشاء دولة مركزية في السودان.

في مقال آخر نتحدث عن علاقة الحركات الصوفية في السودان والاستعمار التركي كذلك تحولها لحركة وطنية ثورية مع المهدي لأن الثورة المهدية امتداد طبيعي للتصوف والقبيلة وعلاقتها مع الاستعمار الإنجليزي ومحاولة تفكيك الحركات الصوفية من أجل عدم تكرار الثورة المضادة وتحوليها إلى أحزاب سياسية عبر تشجع القبيلة للتنافس على السلطة ظهور نخبة من المثقفين والسياسيين ومحاولتهم لإبعاد القبيلة والطائفة من مركز السلطة.