الحُريّة المُطلقة بين الخُرافة والحقيقة

blogs- الحرية

لقد سطع مفهوم "الحرية" في القرن الماضي وامتدّ تدريجياً في كل بلاد العالم ليُصبح قبلةً وشعاراً يرفعه كل سياسي وحزب وصاحب أيدولوجيا يرون من خلاله بوقاً يهدفُ إلى إرضاء القطب الذي يُسيّر العالم اليوم حسب وجهة نظره ألا وهو القطب الرأسمالي الغربي – الحضارة الغربية – فيرُد هو بإعطاء الgreen card  لهم أي رخصة العمل السياسي أو العمل الفكري في بيئته ومن هُنا كان وما زال الطرح السياسي القائم في العالم لا يتزحزح ولا يتغيّر لأنّ الغالبية العظمى من سكان الكرة الأرضية يُفكّرون بطريقة المُسايرة وليست المناددة للأسف فكما يقول العم سام الإمبريالي إن لم تكن معنا فأنت ضدنا!

ولكن دعونا أولاً أن نعرّف مفهوم "الحرية"، فهي تعني التحرر من القيود التي تكبّل طاقات الإنسان وإنتاجه سواء كانت قيودا مادية أو قيودا معنوية، فهي تشمل التخلص من العبودية لشخص أو جماعة أو للذات، والتخلص من الضغوط المفروضة على شخص ما لتنفيذ غرض ما، والتخلص من الإجبار والفرض. وعكسها هو القيد وهو الحد من الحرية، ولكن من أين أتى هذا المفهوم والذي انتشر بسرعة البرق هذه على ألسُن الناس؟
 

لو أسقطنا هذا المفهوم "الحرية المطلقة" على الواقع لوجدنا أنها فكرة وهمية لا واقع لها وستبقى كذلك فهي تعني التحلل من كل قيد بينما الكون نفسه مبني على قواعد وقوانين تضبط من إيقاع سير عمله

إن التاريخ الحضاري البشري لم يتعاطى مع هذا المفهوم إلا بعد الصراع الدموي الذي حصل بين كهنة المعبد الكنسي في أوروبا وأنصارهم الإقطاعيين من جهة وبين ما يُسمّون المُتنوّرين – الفلاسفة والمُفكّرين – أتباع روسو وفولتير من جهة أخرى حيث نتج عن هذا الصراع الدموي الطاحن عزل الدين عن الحياة وحصره في روما في الفاتيكان تحديداً وما سبب هذا الصراع إلا الضغط الذي مارسته الكنيسة بنظامها الكهنوتي على الناس فتولّد الانفجار بداهةً ناهيك عن محاربة العلم والعلماء والمفكرين وإلى كل معارض للنظام الكنسي الإقطاعي الكهنوتي وبعد تحييد الدين وسدّ الفراغ السياسي بالنظام العلماني الداعي "لفصل الدين عن الحياة" واعتنقت الناس هناك هذه العقيدة وهي عقيدة المبدأ الرأسمالي وأصبحت وجهة نظرها عن الحياة على هذا الأساس انبثقت مفاهيم عدة نتيجة هذا المبدأ منها مفهوم المنفعة والميكافيلية والمصلحة "والحرية" الذي انقسم لأربع أقسام وهي – حرية الفرد وحرية الرأي وحرية الاعتقاد وحرية التملّك – وبما أن المبدأ الرأسمالي الذي يسوس العالم اليوم قائم على المنفعة والمصلحة فأينما وجدت المصلحة وجد رأس المال فكان لابد من أن يُروّج لحضارته ووجهة نظره في الحياة ويُصدّرها إلى العالم .

ولو أسقطنا هذا المفهوم "الحرية المطلقة" على الواقع لوجدنا أنها فكرة وهمية لا واقع لها وستبقى كذلك فهي تعني التحلل من كل قيد بينما الكون نفسه مبني على قواعد وقوانين تضبط من إيقاع سير عمله ومنذ بدء الخليقة انخرط البشر ضمن قوانين وأحكام سياسية تضبط سلوكهم فالقبيلة وضعت قوانين تُسيّس أتباعها وكذلك الفراعنة والإغريق وحضارة المايا والحضارة الاسلامية والحضارة الاشتراكية وحتى الرأسمالية التي نُسلّط الضوء عليها في بحثنا هذا وما يؤكد على أنها أي "الحرية المطلقة" وهمية وجود القوانين التي يُصدّرها الغرب للعالم ، هذه القوانين انبثقت عن عقيدته التي يسوس الناس بها اليوم وحيث أننا نرى مفهوم الحرية يتعارض مع الأساس الذي بنا الغرب حضارته فيه فكما عُرّف "القانون" بأنه ((مجموعة قواعد عامة مجردة ملزمة تنظم العلاقات بين الأشخاص في المجتمع))، فالقاعدة القانونية تختص بأنها عامة ومجردة (تنطبق على الجميع) وملزمة.

فبمجرد ذكر مفهوم القانون ينتفي بالمقابل مفهوم الحرّية لأن القانون جاء ليحد ويضبط ويُنظّم السلوك حسب وجهة نظر تتبعها الدولة إن كانت دولة مبدئية ، وللابتعاد عن اللبس في الفهم الذي قد يحصل من قراءة هذا البحث فقد يقول قائل بأن الحرية موجودة بالغرب كحرية اللباس والاعتقاد وغيرها … إن هذا مخالف للحقيقة أي للواقع، والدليل على هذا قالوا في الغرب على لسان منتسيكيو "تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الاخرين" أي أننا لو فرضنا جدلاً وجود حرية فإنها محصورة بذاتك فقط وليست مطلقة ناهيك بأنها قد تنهي على حياتك إذا مارستها حسب مفهومها الفلسفي وطالبت بإسقاط النظام الرأسمالي ! وقيل وهو قولٌ حق بأن كل كلام لا يُطابق الواقع يُعتبر خرافة والعكس صحيح فكل كلام يُطابق الواقع يُعتبر حقيقة واجبة التصديق ..