و يظل تريكة فوقهم

كثيرون هم اللاعبون الذين يملكون أقداماً ساحرة، كما يوجد أشخاصاً يفتنوك بأخلاقهم العالية، لكن حينما تمتزج الأخلاق بالقدرة الفنية -في أي تخصص كان- يصبح الفرد ذو أثر أكبر، ولكن لم يميزه ذلك فقط ميزته أيضاً مواقفه التي لم تتماها مع السلطة، بل التي عارضت السلطة بقوة ولم يخشى لوم اللائمين أو الأذرع الإعلامية لأعدائه.

اسمه محمد محمد محمد أبو تريكة، ولد لأسرة بسيطة وعمل في طفولته لمساعدة والده، قبل أن تبدأ حياته الكروية مع فريق الترسانة ثم الأهلي الذي بدأ معه في عام 2004، بدايته كانت جيدة كلاعب لكن في عام 2006 كان ظهور تريكة مغاير حيث أحرز الأهداف الحاسمة، فبداية العام كانت بطولة كأس الأمم الإفريقية والتي أحرز تريكة ركلة الفوز فيها -انتهت المباراة بالتعادل بين مصر وساحل العاج- ونهاية العام كان هدفه التاريخي أمام الصفاقسي التونسي ثم ثلاثيته في كأس العالم للأندية والتي لقب الهداف بها، لم يكن نصيب تريكة ذلك فقط من الأهداف الحاسمة ولكن أحرز أيضاً هدف الفوز في نهائي بطولة أفريقيا 2008 أمام الكاميرون.
 

لم تكن الإيقافات أو الإنذارات أو الخصومات تخيف الماجيكو، فرفع تعاطفاً مع غزة ضد العدوان الصهيوني عليها، ولفت النظر إلى القضية التي غفل عنها متابعوا بطولة كأس الأمم.

بالطبع تاريخ أبو تريكة الكروي لم يتوقف عند ذلك، لكن كان الأهم من ذلك هي مواقفه الأخلاقية، التي جعلت منه أسطورة عربية أينما حل وجد المحبون، وبالرغم من مهارته والبطولات التي حرم الزمالك منها الغريم التقليدي للأهلي تجد أن قدر لا بأس به من جمهور الزمالك يحبون اللاعب، وكذلك حينما حدثت الأزمة بين مصر والجزائر- بعد فشل فريق مصر من التأهل إلى كأس العالم- لم يكن تريكة جزءً منها.

لم تكن الإيقافات أو الإنذارات أو الخصومات تخيف الماجيكو، فرفع تعاطفاً مع غزة ضد العدوان الصهيوني عليها، ولفت النظر إلى القضية التي غفل عنها متابعوا بطولة كأس الأمم، وقوبل هذا الموقف بالرفض من قبل الاتحاد الأفريقين، وكذلك كان موقفه بعد مذبحة بور سعيد والتي رفض أن يقابل المشير-رئيس المجلس العسكري ورئيس مصر الفعلي حينها- بعدها، كما رفض مصافحة وزير الرياضة بعد 30 يونيو بسبب رؤيته أنه وزير انقلابي، وكلها مواقف لم تكن معتادة في ملاعب كرة القدم قبل ظهوره، ولم ينسلخ أيضاً من انتمائه الديني، فهو من نشر عادة السجود بعد الأهداف على نطاقات أوسع.

كذلك لم ينسى تريكة أبداً أصله البسيط، فعلاقته مع عمال النادي كانت علاقة أخوة وعلاقة عائلية، لم يكن تريكة يدخل من الباب الخلفي للنادي كي يكون بعيداً عن الجمهور، ولم يخشى أبداً الاقتراب منهم، وبعد أحداث بورسعيد قام تريكة بزيارة جميع أسر الضحايا، وحينما احترف في فريق العين الإماراتي ارتدى القميص رقم 72 تخليداً لذكراهم.

كذلك لم تحركه الأموال فقد ظل يلعب في مصر حتى اعتزاله، كتبت التايمز عنه أنه ربما يكون أفضل لاعب لم يلعب في أوروبا وأميركا الجنوبية، وفي نفس المقال أوضح الكاتب أنه لم يسعى خلف الأموال، ظهر ذلك جلياً في المباراة التي لعبها في دولة الكويت في افتتاح استاد جابر الدولي، حيث رفض المكافأة المادية المرصودة له قائلاً أن التواجد في حفل بلد شقيق شرف كاف، طلب بعدها أمير الكويت مصافحة تريكة.

لم يكن تريكة هو نجم الأهلي وحده كان معه لاعبون آخرون في نفس الجيل، كذلك تاريخ الأهلي فكان فيه غيره من الأسماء التي لعبت الكرة بإمتاع عال، لكن الوحيد هو تريكة الذي تمكن من جذب قلوب المتابعين، ولم يفعل ذلك بقدمه وإنما فعل ذلك بأخلاقه ووقوفه مع الحق.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة