مثقّفون أم أشباه مثقّفين؟!

لماذا كلّ هذا الحقد؟، لماذا كلّ هذا التطاول؟، لماذا هذه الحملات المسعورة والهجمات الشرسة على ثوابتنا؟ لماذا هذا الحقد الإيديولوجيّ المعلن على تاريخنا وحضارتنا؟، كلّها أسئلة وغيرها تخامرني وتأبى إلا أن تتردّد بقوّة بداخلي وأنا أتباع نخبتنا المثقّفة، أسئلة تجعلنا أمام إحراج حقيقيّ: هل هم مثقّفون أم أشباه مثقّفين؟!

يبدو أن مثقّفنا العربيّ اليوم -إلا من رحم الله- قد تخلّى عن دوره الريّادي في إصلاح المجتمع، والرُقيّ بأخلاقه، ودعم نهضته، والأخذ بأيدي أفراده لمعانقة التطوّر والسموّ نحو الأفضل، وهذا لا شكّ ما تقتضيه "الثقافة" التي بين جنْبيْه، إذْ لا قيمة لوعي وفكر لا يخدمان الواقع، ولا يسهران على تغيّيره نحو الأفضل، ويفضّلان الانطواء داخل أبراج النظريّات الفكريّة الباهتة الجافّة.

المثقّف مُهيّأ نفسيّا وعقليّا وعلميّا لبناء مجتمع راقٍ ومتطوّر، تسوده الأخلاق، وتذوب بين أفراده الفوارق والعُنصريّات، ويسوسه العدل، وتتلاشى فيه كلّ مظاهر الرّذيلة والانحراف، فهو -أي المثقّف- صاحب قضيّة، يوظّف ما اكتسبه من علوم وخبرات لخدمة دينه وعروبته ووطنه.

مثقّف يهدم القضيّة التي كان من المفترض أن تكون نِبراس وجوده كبّر على ثقافته أربعا!.

يحتاج المثقّف للاضطلاع بهذا الدور المهمّ أن يتصالح مع موروثه الحضاري والتاريخي، وأن يتصالح مع قيم وثوابت دينه، فمثقّف لا يبني صرحٙ فكره ووعيه على مسلّمات ثابتة وقناعات راسخة من السهل أن ينقلب إلى هادم يهدم كلّ ثابت وراسخ، ليتحوّل رويدا رويدا إلى بوق من أبواق الغرب الحاقد على الإسلام والعروبة، والذي ينتهز -أي الغرب- أوّل فرصة ليظهر الإسلام والمسلمين في أبشع صورة، صورةِ القتامة والإرهاب وتاريخ الدّماء والقتل..

هل يتحوّل من وُلد ونشأ في أوساط المسلمين وتذوّق طعم العروبة وتغذّى من خيرات أرضنا إلى خادم للغرب -من حيث يشعر أو لا يشعر- في تسويقه لصور بشعة عن حضارتنا وتاريخنا وموروثنا باسم الثورة على "القديم"؟!

يكفي أن تشاهد برنامجا تِلْفازيّا من تلك البرامج التي يروّج لها أنّها برامج فكريّة ترتقي بوعي المشاهد، أو تطالع كتابا، أو تقرأ مقالا صحفيّا.. لواحد من أولئك المثقّفين المشهورين -كما أُريد لهم أن يكونوا!- حتّى تقف بوضوح على حجم تلك الحملات المسعورة المشبوهة على قيمنا وأخلاقنا وثوابتنا، فهذا يتّهم الإسلام بالراديكاليّة، وذاك مازال ينبُش التّاريخ متصيّدا للعثرات مختزلا حضارتنا في موقعة الجمل وصِفِّين، والآخر لا همّٙ له إلا أن يُثبت أنّ نبيّنا عليه الصلاة والسّلام اسمه "قُثٙم" وليس محمّدا، وذاك يُشكّك في السنّة النبويّة داعيا إلى القرآنيّة منهجا وهو يدافع عن ذلك ويُنافح، والآخر يهدم تاريخا حافلا، تاريخٙ القيروان، تاريخ انتشار الإسلام في إفريقيّا ومنها إلى سائر القارّة الإفريقيّة، واصفا بانيٙ القيروان ومشيّدها "عقبة بن نافع" بالمجرم!، وذاك تطاول على كلّ مقدّس…، ويا ليتهم مع كلّ هذا يعلنون إلحادهم ليريحوا ويستريحوا، ولكنّهم تٙسٙرْبٙلوا في ثوب المجدّدين والمبدعين!

نخبة لا همّ لها إلا ما سبق هل تراها تخدم وطنا، وتُشيّد حضارة، وتُبرز أمجادا، وتحمل قضيّة وطن مزّقته الفرقة وتمعّش من تقاتل أبنائه الأعداءُ؟!

هي نخبة رجالاتها أقرب إلى "أشباه المثقّفين" منهم إلى "المثقّفين"، فمثقّف يهدم القضيّة التي كان من المفترض أن تكون نِبراس وجوده كبّر على ثقافته أربعا!.



حول هذه القصة

يوقع أمجد ناصر روايته الجديدة “هنا الوردة” ضمن فعاليات معرض الدوحة الدولي للكتاب الذي يتواصل حتى العاشر من ديسمبر/كانون الأول بشعار “اقرأ” الذي يحتفي بالقراءة باعتبار أنها تحرض على الإبداع.

صدق برلمان إسرائيل (الكنيست) بالقراءة التمهيدية على مشروع قانون يهدف لإضفاء الشرعية على البؤر الاستيطانية العشوائية بالضفة الغربية المحتلة, وذلك بتأييد ستين عضوا ومعارضة 49.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة