ماذا لو انقطع الموت حقا؟

خاض فيه الفلاسفة وأفاض فيه رجال الدين، كل قال كلمته ومضى، لكنه ظل الحقيقة الوحيدة التي تخيف الإنسان، ذلك هو الموت، القدر المشترك بين البشر جميعا وبين كل الكائنات الحية "كل نفس ذائقة الموت".

هو بالنسبة للأحياء لحظة مؤلمة وقاسية، فيها فراق للأحبة الذين تقاسموا معهم في الحياة السراء والضراء، ليجدوا أنفسهم مضطرين للتعايش مع وجع الغياب. وهو بالنسبة للميت نهاية قصته مع الحياة ولحظة تقديم الحساب على عمله واختياراته واستجلاء كل صغيرة وكبيرة دونت في كتاب أيامه.

بسبب انقطاع الموت، أفلس أرباب التجارة الجنائزية الذين ارتبطت أرباحهم بالموت وطقوس الوداع الأخير، وكذلك تداعى المسؤولون عن أنظمة التقاعد والتأمين للشكوى

لكن ماذا إذا توقف الموت عن خطف أحبتنا واستحالت الحياة إلى خلود، ماذا إذا استيقظنا يوما ما ولم يمت أحد، هل سنشعر بالسعادة؟ هل سنكون أكثر ارتياحا؟ هل ستكون أيامنا أجمل؟ هل سألتم يوما هذا السؤال؟، بالنسبة لي لم يسبق أن طرحت هذا السؤال، فمنذ تشكل وعيي وأنا اعرف الحياة والموت، لا يتوقفان ولا ينقضيان، فكما يولد الملايين يوميا ويملؤون صدورهم بهواء الدنيا، يلفظ ملايين آخرون أنفاسهم ويغادرون إلى الآخرة في دورة بلا نهاية.

هذا السؤال سكنني وفرض نفسه عَلي بشدة وجعلني أتأمل في معنى الموت وأهميته والمغزى من حتمية وجوده، عندما بدأت قراءة رواية "انقطاعات الموت" للروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو، صاحبني السؤال من الصفحة الأولى وجعلني أدرك نوعا ما أن معنى الحياة يأتي من وجود الموت، وأن الموت ليس مخيفا ومرعبا بل إنه أساسي من أجل استمرار الحياة.

تبدأ رواية سارماغو بعبارة صادمة "في اليوم التالي لم يمت أحد"، هكذا بكل بساطة استيقظ الناس في دولة ما ولم يمت منهم أحد حتى الملكة التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة وتودع الحياة عادت إليها روحها، وظلت معلقة متمسكة بجسدها.

في الوقت الذي كانت تطرح فيه التساؤلات حول ما وقع وتقدم التحليلات والتفسيرات والقراءات، عمت البهجة الكثيرين وظنوا أنهم قد قهروا الموت ونالوا سر الخلود، لكن بعدها تصاعدت أصوات المتباكين على الوضع، خاصة أولئك الذين بانقطاعه فسد نظامهم وخططهم المبنية على ثنائية الموت والحياة.

بسبب انقطاع الموت، أفلس أرباب التجارة الجنائزية الذين ارتبطت أرباحهم بالموت وطقوس الوداع الأخير، وكذلك تداعى المسؤولون عن أنظمة التقاعد والتأمين للشكوى. ولم يتأخر كثيرا مديرو المستشفيات عن إعلان الكارثة، فالعملية الدوارة المعهودة بمرضى يدخلون ومرضى يشفون وآخرون يموتون توقفت، وانكسرت الحلقة لتقتصر على الداخلين إلى المستشفيات بسبب معاناتهم مع أمراض مستعصية أو حدوث حوادث سير خطيرة كانت ستقودهم، لوكان الموت لا زال موجودا، إلى القبور لكنهم ظلوا يملؤون ممرات المستشفيات في حالة حياة معلقة.

دور المسنين أيضا أعلنت حالة الطوارئ، فخططها كما المستشفيات، كانت تستند على دورة الحياة والموت، لكن الواقع الجديد غير كل شيء، وامتلأت دور المسنين بالآباء والأجداد وأجداد الأجداد وصارت دور الرعاية مكتظة عن آخرها بأشباه البشر وبأجساد مترهلة وهياكل عظمية لا شيء يدل على أنها حية سوى أنفاسها المتصاعدة.

الكنيسة بدورها خافت على وجودها، الذي سينتفي بالموت، فهي تحتاجه مثل حاجة الخبز للفم كما قال أحد شخصيات ساراماغو، فبانتهاء الموت لن يكون هناك بعث ومن دون بعث لن يكون حساب ولا جنة ولا نار ولن يكون لوجود الكنيسة أي معنى.

لقد أصبح الخلود الذي كان مطلبا البشر جميعا، أسوأ الكوابيس الذي تعرضت له هذه الدولة، حتى صار الناس يطلبون الموت باعتباره أفضل من المصير الذي يعيشه المرضى وكبار السن من الذين أنهكت أجسادهم لكن أرواحهم ظلت معلقة بها.

بدأ الحل من عند أسرة قام أفرادها بتهريب جدهم المريض المنهك القوى إلى الحدود المجاورة التي لا زال الموت فيها موجودا، في ظلمة الليل تمت عملية تهريب الجد وبمجرد عبور الحدود لفظ أنفاسه المعلقة وارتاحت روحه ودفن غريبا هناك.. صارت القصة ملهمة للجميع ونشطت مافيا منظمة تقدم خدمات لأهالي الواقفين على حافة الموت، تهرب أحبائهم إلى خارج الحدود يحررون أرواحهم المسجونة ويعيدونهم إلى عائلاتهم لدفنهم مقابل مبلغ مالي محترم.

لقد أثار غياب الموت فوضى عارمة جعلت الجميع يدرك أخيرا أهميته، يتوسل وجوده، لم يعد مخيفا كما كان بل صار محبوبا ومطلوبا، لقد أحبوا الموت وتمنوا عودته، تصالحوا معه، وصاروا بعدما كانوا يهربون منه يبحثون عنه ويتوددون اليه.

ما فعله ساراماغو في هذه الرواية، أنه جعلنا ننظر إلى الموت بمنظار مختلف، مجرد عن الذات البشرية بكل ما تحمله من مشاعر متدفقة وجياشة، جعلنا نراه بمنطق الربح والخسارة، بمنطق المنافع التي في كل الأشياء حتى غير المرغوب فيها، والخير الموجود في كل شر.

فكما الأشياء الجميلة، كل الأشياء القبيحة موجودة لسبب وحكمة وهدف. في النهاية سندرك أن كل شيء موجود هو موجود لأن في وجوده معنى

هذه الرواية جعلتنا نتعرف على الموت من خلال غيابه، نتفهم دوره في استمرار الوجود، وندرك من خلال توقفه معنى الحياة، وبالمثل يمكننا أن نتعرف معنى أشياء أخرى موجودة في هذه الدنيا في حال غيابها، أو غياب أضدادها.

وكما أبرزت هذه الرواية معنى الحياة من خلال غياب الموت، فإننا لن ندرك قيمة ما حبانا الله من نعمة السمع والبصر والتذوق والحركة إلا إن حرمنا منها.. سنعرف قيمة الشمس عندما نستيقظ في يوم ما ولا نجدها مشرقة.. سنعرف قيمة فصول السنة في حال عدم تعاقبها.. سندرك قيمة الحب عندما تتوقف الكراهية وسنعرف معنى الجمال عندما يختفي القبح، وأيضا سندرك قيمة السلام والاختلاف والتسامح عندما تنتهي الحروب في كل مكان.

فكما الأشياء الجميلة، كل الأشياء القبيحة موجودة لسبب وحكمة وهدف. في النهاية سندرك أن كل شيء موجود هو موجود لأن في وجوده معنى، سواء كان مؤلما أو مبهجا، سيئا أو طيبا، جميلا أو قبيحا.



حول هذه القصة

تسببت موجة صقيع تجتاح أوروبا منذ الأسبوع الماضي في وفاة ما لا يقل عن أربعين شخصا معظمهم في بولندا، وسط مخاوف على مصير آلاف اللاجئين العالقين والمشردين.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة