عندما سكنتُ المخيّم

المخيم.. كلمة أضيفت إلى قاموس الفلسطينيين عام 1948، مع سلسلة من الكلمات التي توالت حتى شكلت قاموس المأساة التي لم تنته، وتزداد كل يوم شدة، وحدة، حاشدة في قاموسها كل عام مصطلحات جديدة من المعاناة..
 

المخيم.. صارت كلمة دلالية، ما إن تذكر، حتى تتداعى معها كل معاني التشريد، والبؤس، والحرمان، والأمل المنطفيء الذي على أنقاضه يعيش أهل المخيم، ويقيمون، ويتمددون، لكن لا يغادرون، إذ لا إمكانية لمغادرته إلا للمكان الذي جاؤوا منه أول مرات التهجير.. في الخلاء، ثم في خيمة، ثم غرف من صفيح، ثم بعض بيوت مسقوفة من قرميد، وأخيراً حجارة تتخذ من الإسبست غطاءً، أو مبانٍ خرسانية، هكذا تطور مكوثهم، في ذات البقعة وعلى ذات المساحة، رغم تزايد أعدادهم، وتكدس مبانيهم، حتى تبدو كأنها قطعة واحدة، لا يفصل بينها سوى أزقة لا تتسع لشخص سمين، لتشكّل أكثر المناطق اكتظاظاً، وليس أدلّ على ذلك من مخيم الشاطئ، صاحب أعلى كثافة سكانية في العالم!
 

مرت السنوات، وامتد قاموس المأساة وتضخم، وصار للتشريد أبناء وأحفاد، يتكرر كل عامين أو ثلاثة، ليحمل النازحين أصلاً على النزوح من مناطقهم، إلى نزوح ثانٍ، ثم ثالث، أو أكثر.

على الشاطئ الشمالي الغربي لمدينة غزة، على بعد أربعة كيلو مترات من قلب المدينة، أقيم المخيم، كما أقيم غيره من المخيمات تحت ضغط الأوضاع الإنسانية المزرية للمهجّرين، الذين استوطنوا الأماكن الفارغة، والخلاء، وسوافي الرمل على الشواطئ، حيث لا مكان يؤويهم، ولا قوة فيهم للسير أكثر مما ساروه على طول الساحل هروباً من مدنهم وقراهم!
 

وكالة غوث وتشغيل اللاجئين، أقامت المخيم بعد عام كامل من لهيب الصيف، وزمهرير البرد على رؤوس النازحين، أثقلهم حزنهم على الوطن المنهوب، وقضى على ما تبقى منهم سوء الحال، وكارثية العيش، حتى رأفت بهم خيام قماشية تحمل طبعة UN، تطير مع أول هبة عاصفة شتاءً، وتهترئ مع أول شعاع حارق صيفاً، ورقماً في سجل اللجوء الذي توزع بعد ذلك عليهم كروتاً تمكنهم من الحصول على الطعام والعلاج.
 

أنشئ المخيم أول الأمر على مساحة خمسمائة وتسعة عشر دونماً، يضم بين جنباته ثلاثة وعشرين ألف لاجئ، تزايدوا على مرّ السنين، ليصبحوا اليوم أكثر من مائة ألف.
 

في السنوات الأخيرة فقد المخيم -الذي يعد ثالث أكبر مخيمات القطاع- الكثير من شهود النكبة، متوفين بعد انتظارٍ طال، أسلموا الروح، بعد أن تركوها هناك معلقة على أشجار الجميز، وجذوع التوت، ونوافذ المنازل، وأسوار الحواكير، ودواليب السواقي، ولم يزل يربطهم بها خيط دقيق من الأمل يبقيهم على قيد الحياة، أخذ يضعف مع السنين شيئاً فشيئاً، حتى إذا انقطع، انفصلوا عن الحياة، إذ لا حياة بدون روح!

أقامت وكالة الغوث على أرض المخيم، بعض مراكز الخدمات الحياتية، عيادة، ونادٍ، ومدرسة، ومراكز تموينية، محاولة أن تجعل الحياة تسير بشكل طبيعي، وأن يتوطن الناس في المخيم براحة ويعتادوا العيش كأنهم في بيوتهم، لكنهم لم يتوطنوا، ولم يعتادوا، ولذلك لم يتركوا المخيم، ولم يتخلوا عن اسمه، ليذكروا أنفسهم دائماً بالقضية الأولى، والحقيقة الكبرى: أنهم مهاجرون في انتظار العودة.
 

مرت السنوات، وامتد قاموس المأساة وتضخم، وصار للتشريد أبناء وأحفاد، يتكرر كل عامين أو ثلاثة، ليحمل النازحين أصلاً على النزوح من مناطقهم، إلى نزوح ثانٍ، ثم ثالث، أو أكثر، حسب أعداد الحروب التي طالتهم، تحت قبة الحصار الذي تتفاقم برعايته كل الكوارث، حتى صار التمييز في مخيم الشاطئ بين ماء الشرب وماء البحر أمراً صعباً، واكتملت فصول المعاناة مع الوضع المعيشي الصعب، والكثافة العالية، وانتشار البطالة، وضعف البنى التحتية، حيث لم يتغير الوضع كثيراً في بيوت اليوم عن خيام عام تسعة وأربعين، فأقل يوم ماطر يغرق ثلثي المخيم في مياه الأمطار، ويسد أزقة التنقل، ويغلق منافذ الخروج!
 

وعاش المخيم وتوسع، وأصبح رمز الصمود والتحدي، وكبر أطفاله وترعرعوا على أمل العودة، وتربوا على حلم الرجوع، ولم ينسَ أحد منهم فضل المخيم في تعليمه معنى الوطن، ومفهوم القضية، وفاجعة اللجوء.

حمامة، والجورة، والمجدل، ويافا، واسدود، هي أبرز البلدات التي هجر منها سكان المخيم، مختلطين مع مهجرين آخرين من مدن وقرىً أخرى، فرقتهم البقع الجغرافية، وجمعهم اللجوء، مشتغلين في حرفٍ مختلفة، بعد أن فقدوا أراضيهم ومصادر رزقهم، أهمها: الصيد، وبعض الوظائف في مرافق وكالة الغوث، والعمل في الداخل المحتل أجراء عند من سرقوا بلادهم! وحتّى الأخيرة لم تستمر، ومنعوا من العمل بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصى.
 

تقاسموا الأفراح والأتراح، كما تقاسموا الخيام والألواح، وعاشوا معاً معاناة "لمبات الكاز"، والحمامات العامة، والمياه المتنقلة، وقنوات الصرف المكشوفة، وحفروا معاً الخنادق ليحتموا بها في حربي ستةٍ وخمسين، وسبعة وستين، ولم يعلموا أنها لو طالتهم، لجعلت تلك الخنادق قبورهم التي نزلوها باختيارهم، وانتظروا سوياً مطلع الثمانينات، لتمن عليهم يد وكالة الغوث ببناء غرف ومنازل من الطين والقرميد، والحجارة والإسبست، ولتكون لهم شبكات مياه، وقنوات للصرف.
 

وعاش المخيم وتوسع، وأصبح رمز الصمود والتحدي، وكبر أطفاله وترعرعوا على أمل العودة، وتربوا على حلم الرجوع، ونبغ منهم قادة ومجاهدون، ومفكرون ومثقفون، علماء وحملة قضية، ولم ينسَ أحد منهم فضل المخيم في تعليمه معنى الوطن، ومفهوم القضية، وفاجعة اللجوء!
 

واليوم، فيما تزداد وكالة الغوث تقتيراً في خدماتها للاجئين، وتنصلاً من مسئولياتها تجاه القضية، تزداد رقعة المخيمات على أرض العروبة، وتتكرر المعاناة بأشكال وألوان أخرى، ويزداد المخيم بؤساً، ويزداد قاموس المأساة تضخّماً!



حول هذه القصة

يحكي الشيخ قصة فلسطين (الأرض والإنسان) لحفيده زيد, دون أن يهَجّر طفولته, مستعيدا حكاية غربة عن الوطن امتلأت بكل مشاعر الحب والحنين لكرْمه وزيتونة ومزاريبه, وكيف تغير ذلك الوطن بفعل معاول الاحتلال ومعاول بعض من أبنائه ومجاوريه, محذرا إياه من الخيمة ثانية.

داهمت الأمطار الغزيرة مخيم الزعتري بالأردن الذي يؤوي عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين، وأغرقت عشرات الخيم ودمرت محتوياتها. واتهم اللاجئون الجهات المسؤولة عن المخيم بعدم أخذ الاحتياطات بعد مآسي شتاء وأمطار العام الماضي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة