على عتبات التحرش

"بلادكم لا تحترم النساء، لم أكن أتخيل بأنني سأتعرض إلى كل هذا القدر من التحرش ولو علمت لما جئت"، هذا ما صرحت به إحدى السائحات الأجنبيات القادمات لزيارة أحد البلاد العربية عبر شاشات التلفاز، الأمر الذي يشعرنا جميعا بالخجل، ومما يزيد الأمر استفزازا هي التعليقات الواردة من بعض العقول الضئيلة التي استهجنت حديث السائحة كونها قادمة من بلاد تبيح للمرأة إقامة علاقات غير مشروعة، فكيف لها أن تقوم بهكذا أعمال ومن ثم تتهمنا بعدم احترام النساء؟؟
 

ولا أدري، هل مثل هذه التعليقات تسحق الرد أم أنها من السخافة بقدر يجعلها لا تستحق!؟ وبرغم يقيني بأنها الثانية، إلا أنني لن أتوانى عن الرد بأن المتحرش مخلوق قد بلغ من وضاعة الأخلاق إلى حد لا يمكن تبرير تصرفه أو إيجاد عذر له مهما كان الأمر، في حين يمكن إيجاد عذر للسارق في بعض الأحيان، ولهذا لا يحق للمتحرش أن يدعي بأنه الضحية تحت أي مسمى كتأخر الزواج أو كون المتحرش بها كانت ترتدي ثياب مثيرة أو أنها سيئة السمعة، وعلى الدولة أن تعاقبه وأمثاله أشد العقاب والا تأخذهم به شفقة.
 

التربية هي منبع السلوك وأصله، فكلما كان أساس التربية قوي وصحيح كلما تهذبت النفس واستقامت، ولهذا لا بد أن نضع أبناءنا الذكور منذ الصغر على أمور مهمة فيما يخص التحرش.

أما عن عظيم الاستهجان كون المجتمعات الغربية تبيح إقامة العلاقات الغير شرعية فهذا لا يعني بأن بلادهم تعاني من تفشي جريمة "التحرشن أو أنه على نساءهم تقبله! بل على العكس تماما، فهي أكثر البلدان تشددا بما يتعلق بالتحرش وأقلها شيوعا لهذه الظاهرة بعكس بلداننا العربية، ودليل ذلك فضيحة الرئيس الأمريكي السابق "كلينتون" أثر اتهام "لوينيسكي" له بالتحرش، والرئيس البريطاني "جون ميجر" حين تحرش بسكرتيرته "باث".
 

التحرش كابوس يؤرق كثيرا من النساء في الشوارع والطرقات وأماكن العمل وحتى في منازلهن أحيانا، مما أودى ببعضهن الى العيش في خوف ورعب شديدين، والآخر إلى الانتحار أو الاقامة في مستشفيات الأمراض العقلية، ذلك لأن كثيرا من أهل الشهوات الرخيصة والعقول المريضة هيأ لهم بأنهم أحرار في نزواتهم وشذوذهم، كما لو كانوا بهائم -لا بل أقل قدرا ومقاما- علاوة على ظهور ممارسات جديدة مقززة لم تكن معهودة من قبل في مجتمعاتنا ومنها "التحرش الجماعي" و"التعدي على القاصرات والأطفال".

ومما يثير الاشمئزاز أكثر أن المتحرش في بعض الأحيان هو شخص معروف لدى العائلة ومقرب منها أيضا! فهو إما قريب أو صديق أو جار..، فلا زلت أذكر جيدا ما صرحت لي به أحد صديقاتي المقربات، وهي في ذهول أعمى بصيرتها عندما علمت بأن ولدها البالغ آنذاك 5 سنوات قد تعرض للتحرش مرات عديدة ومن شخص معروف ومقرب من عائلتها..
 

والمدهش في الأمر بأن معرفتها جاءت عن طريق الصدفة والصدفة البحتة أيضا، أثناء زيارة صديقة لها كانت بصحبة ابنتها الصغيرة، حيث ذهب الطفلان للعب في الحديقة، وعندما حضر زوج صديقتها لأصطحاب زوجته وابنته إلى البيت، شاهد الطفلين مختبئين يقبلان بعضهما بعضا، أصيب الأب بالصدمة وأقدم على ضرب الاثنين، ثم أخذ زوجته وهو يصيح غاضبا قائلا لصديقتي: "ابنك مش مربى وما بشرفنا معرفتكم بعد اليوم"، ذهب الضيوف ولا تزال صديقتي تجهل سبب ما حدث وعندما سألت ولدها عن السبب أخفى عنها الحقيقة خوفا من العقاب قائلا: "لقد ضربت ابنته فضربني"! ولأن عقلها لم يكن ليتصور أمرا غير هذا -لحداثة عمر ولدها – أجزمت بأنه صادق، فزاد سخطها على الأب الذي ملأ الدنيا صراخا وضرب ولدها ومنع زوجته من زيارتها لأمر تافه كهذا..
 

مر أسبوع على الحادثة ولم تكلم أيا من الصديقات الأخرى فلكل منهما عتب، إلى أن قررت أم البنت زيارة "صديقتي" لتوضيح الأمر وما أن أخبرتها بفعل ولدها الذي لم يلتحق بالمدرسة بعد بل برياض الأطفال، حتى دهشت الأم وكادت تكذبها، ولأنها لم تكن لتدع الأمر يمر بدون استجواب الصغير وسؤاله عن صدق القول من عدمه؟ فلا يزال ظنها حسن حتى الآن بأن الأمر لا يعدوا أن يكون قد شاهد لقطة في التلفاز فحاول تقليدها، وبعد أن طمأنته ووعدته بأن يظل الأمر سرا بينهما، أخبرها بأن "فلان" وهو رجل في الأربعينات من عمره وجار مقرب لأهلها منذ أكثر من عشرين عاما، يأخذه إلى سطح العمارة بداعي مشاهدة الحمام الذي يربيه هناك ومن ثم يقبله في فمه ويلامس جسده ويتحرش به.
 

ليس من شك بأن فقر القوانين وضعفها بما يخص جريمة "التحرش" هو أحد أسباب انتشاره ولا سيما في الوطن العربي الذي يفتقر إلى قانون رادع مانع مقارنة بالغرب، فعندما تعلم بأن عقوبة التحرش في مصر قد تم تعديلها بعد تزايد حالات التحرش في ميدان التحرير مؤخرا إلى عام وغرامة من 5-10 آلاف جنيه! بينما تصل العقوبة في أمريكا إلى الحبس مدى الحياة وغرامة ربع مليون دولار، فإنك لا شك ستقف حينها على مدى تهاون بلادنا في ردع هذه الجريمة، لكن الحقيقة تقول بأن القضاء على التحرش يحتاج إلى ما هو أكثر وأعمق من القانون الرادع، ذلك إن كنا نرجو مجتمع باطنه أصلح من ظاهره، ونحن هنا لا ندعي "المدينة الفاضلة" بالطبع! فالنفس كما هو معلوم أمارة بالسوء ما لم تكبح شهواتها.
 

أما الإناث، فعلينا تعزيزها وتقويتها نفسيا، لتصبح من جهة قادرة على حماية نفسها والتصدي لكل مريض قد تسول له نفسه التعرض لها.

إن التربية هي منبع السلوك وأصله، فكلما كان أساس التربية قوي وصحيح كلما تهذبت النفس واستقامت، ولهذا لا بد أن نضع أبناءنا الذكور منذ الصغر على أمور مهمة فيما يخص التحرش وغيره من الجرائم المشابهة له، أولها هو أن "ما لا ترضاه لنسائك يجب أن لا ترضاه لنساء الآخرين" و"ما تذوده عن نسائك عليك أن تذوده عن باقي النساء وإن كن ليس بنسائك"، تماما كما قال شاعر الجاهلية عنترة بن شداد: وأغض طرفي ما بدت لي جارتي.. حتى يواري جارتي مأواها.
 

وتعليمهم مكارم الأخلاق ونبذ الرذيلة كمعاكسة النساء أو التعرض لهن واستعظام هذا الأمر في نفوسهم وعدم الاستخفاف به، والتأكيد عليهم بأن أفعال مقيتة كهذه تعد معيبة ومشينة لهم ولرجولتهم، ولا يقدم على فعلها الا كل فاسق وضيع، وأن عليهم صيانة أنفسهم والحفاظ عليها تماما كما صان سيدنا يوسف "عليه السلام"، نفسه حين حاولت زوجة العزيز التحرش به ودعوته إلى ما يغضب الله "وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون"، أي إن الرجال مطالبون أيضا بصيانة أنفسهم عن هذه الأفعال كما النساء تماما، وليس كما يربي بعض الآباء أبناءهم بأن معاكسة النساء والتعرض لهن والتحرش بهن تعد "فحولة".
 

أما الإناث، فعلينا تعزيزها وتقويتها نفسيا، لتصبح من جهة قادرة على حماية نفسها والتصدي لكل مريض قد تسول له نفسه التعرض لها، ومن جهة أخرى عدم خوفها من البوح أو التصريح عن أية محاولة تحرش قد تتعرض لها في أي مكان وزمان، الأمر الذي يحبه ويتمناه المتحرش حتى يلوذ بفعلته فيكررها مجددا مع غيرها وهو على ثقة بأنه سينجو من العقاب.



حول هذه القصة

أثارت حوادث التحرش خلال احتفالات رأس السنة في محطة القطارات الرئيسية بمدينة كولونيا والتي اتهم لاجئون بتنفيذها، موجات جديدة من التحريض والكراهية وجهت إلى منظمة بارزة للمسلمين وأخرى لمساعدة اللاجئين.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة