شهيدٌ للقدس كلّ حنين

تداخلت الحواسّ، وتشابكت قبل أن يمتزج الدم عبر الأوردة منذ حنين، بسخونة دمه المهراق وقداسة هوائها، في حميميّة خيالية كانا يتكئان على الوسائد المثقلة بالنعاس، يغفو على ذراعها أو تنام على ذراعه سيان حين يتساوى الحب. يغفو قليلا في حضنها ويفيق قبل أن ينسكب الضوء على المكان.

يتشققّ الفجر؛ فتتدافع قطرات النّدى فيجمعها عن وجهها الحزين، ويغتسل بطهرها ثم يشرب! هكذا مع كل فجر وكل شمس طازجة كان يفعل، وكان يقرأ تفاصيل وجه القدس فتتسع عيناه، ويرى ما وراء الوراء، يدخل في شقوق جدرانها إلى ترابها المعجون بدم الشهداء تحت حجارتها المرصوفة كحبات الزيتون المرصوص.

كان كلّ ليلةٍ يوقف ساعة اليد، ويحملق في عتمة الوادي، ويقف على شرفةِ بيتٍ يطلّ من جبل المكَبّر على خيط الضوء الصاعد نحو السماء، فيكبّر!

كان كل ليلة يفكر في مَن قضى، ومن أُسِر، ومن وزعّهم طلبُ العدالة على المخيمات، ويحملق في صورٍ لشاحناتٍ حملت بعض أثاث، وتكدّست فوقها أجساد الراحلين الذين تركوا قلوبهم على شرفات المنازل، التي تطلّ على ذات خيوط الضوء المتصلة بالسماء والمدن العتيقة.

من أين خرجت لهم يا ابن أمي؟! وكيف تحوّلت الى أربع وعشرين رصاصة وقذيفة؟ وكيف ملأت قلوبهم رعبا؟ فتراكضوا كفئرانٍ يبحثون عن جحور تأويهم!

كان ليلٌ كونيّ بهيم يجفّف ظلّ رفاتِ رفاقه على حجر الوداع.. كان يشعر بهم دوماً، ويتظر إذ تأذن له القدس باللحاق بهم.

كان يخشى أنْ تجرحه دمعة أمّه؛ فَتَعمّق في اللحظات الأولى التي تَعقُب تَلقّي نبأ استشهاده.. فاختال بزغرودة أطلقتها أمّه فرقص قلبه.

استيقظ مع بزوغ الفجر الأخير، قبل أنْ تبتلعَه الشّمس فودّع أمَّه، على أمل اللقاء خلف حدود الدنيا ومضى!

سار وهو يرتدي معطفاً مقاوماً للتيه، كانت قد وهبته له أمّ شهيد قبل ليال. واصل سيره حتى وصل زيتونة جذورها ضاربة. خلع المعطف وثبته على أحد العروق فخدشه، ثم تابع سيره حتى وصل إلى ما قبل العتبات، جلس ونفض عن حذائه كلمات المديح و خلعه على جانب الطريق قبل أن يهرع إليها!

هي تعلم أنّ عاشقاً على عتباتها ينتظر أن تأذن له بالدخول، فاستشاطت حبّاً، واستشاط وَلَهاً فاستشاط الأعداء قهرا!

يااااه! من أين لك كلّ هذا الحب؟ وهذا الوَلَه؟ وهذا الهوس؟ وهذه القوة؟ وكل هذا الجبروت؟! وأنت الحزين منذ ألف من السنين! وأنت المحاصر منذ آلاف السنين، وكنت أسيراً منذ سنين!

من أين خرجت لهم يا ابن أمي؟! وكيف تحوّلت الى أربع وعشرين رصاصة وقذيفة؟ وكيف ملأت قلوبهم رعبا؟ فتراكضوا كفئرانٍ يبحثون عن جحور تأويهم!

وكيف حوّلت كلّ الشاشات والمنشورات والتغريدات والكاميرات والميكروفونات وكل وكالات الأنباء إليك؟!

ياااا.. لهذا الاقدام الثوري! ويا لهذا العنفوان الفلسطينيّ! ويا لهذا المساء المقدسيّ الجميل!

حَملت أمُّه صورته بعد أنْ هدموا جدار البيت التي كانت تعلقها عليه، واقتفت أثره المحفور كنقشٍ كنعانيٍّ على جنبات الطريق، حتى وصلت إلى ظل الزيتونة! فتناولت معطفه العابق برائحة مسكيّة لعَرَق الشهداء، وبقعة من دمه الجواد.

وضعت في المعطف صورته، وضمّتهما في احتضان آسر، وسارت حتى وجدت حذاءه، قبّلته وحملته، وعادت ذات الطريق! في صباح اليوم الثاني احتفظت بالصورة والحذاء، وأهدت معطفه لشهيد قادم بعد حنين!



حول هذه القصة

ألهبت الشاحنة التي دعست تجمعا للجنود الإسرائيليين يوم أمس رواد مواقع التواصل الاجتماعي، فأطلقوا وسم #شاحنة_الانتفاضة، في إشارة إلى أن هذه الشاحنة قد تكون بداية انتفاضة جديدة في وجه المحتلين.

استشهد الشاب محمد الصالحي (32 عاما) من مخيم الفارعة للاجئين الفلسطينيين شمال مدينة نابلس في شمال الضفة الغربية خلال اقتحام قوات الاحتلال للمخيم فجر اليوم الثلاثاء.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة