بتلةٌ في غصنٍ مزهر

كنت قد أخذت إجازةً من العمل لمدة شهر. يُحدِّثُني رفيق دراستي.  قضيتُ أربعة عشر يوماً في معركة الاختبارات النهائية للفصل المنصرم، ومن ثم قضيت أربعة عشر يوماً أخرى في القراءة، فوجدتني مُحوَج إلى ترك الوظيفة لا إلى مفارقة القراءة بذلك النهم الآسر. فعجبت أيّما إعجاب لهذا الفهم الذي أغراني، وأشعل فيّ جذوة الحلم. ثم سبحت معه في بحر هذا الحديث، كما لو أنه فتح على نفسهِ صنبور مياهٍ قوي الدفع!

 فأطنبت أقول في لذّة : أصبَحتِ الوظيفة؛ -أيّ وظيفة بمعناها التقليدي- جريمة في حق من يبتغي القراءة وظيفته الأسمى، إذ أن الأُولى تسلِب وقته وتُرهق بدنه وتشغِل ذهنه في غير طائلٍ مغاير لما عليه سبعة مليار إنسان، الغالب منهم مجرد أصفار لا معنى لها. من الصعب أن يصِل المرء إلى الغاية التي من خلالها كان عباس العقاد، الذي التهم سبعون ألف كتاب، أو كحال جارودي الذي كانت  عيناه تلقِف؛ ولسانه وشفتاه عشرة كتب في اليوم الواحد؛ من الصعب إذا ما كان موظفاً، ومع ذلك يبقى الأمر خارج إطار المستحيل.

اسكبوا أهدافكم في مضرب عطر، كي يفوح وتفوح روائحكم الممسكة من خلاله، ولا تنزِعوا إلى المال ففيه تخمة البطن ومداهنة العوام والسماسرة، ونقصٌ في العقل والتدبر، وضياعٌ للشعور.

من المهم أن يتنبه المتثقفون الذين يقرأون في الشهر الواحد كأقصى ما يمكنهم كتابٌ واحد، أنهم بلغوا نسمةً في هواء المعرفة، أو اعتقلوا مأرباً في العلم.  أقول هذا وأنا المُقِلّ رغم جهدي الذي لا يفتُر، إلا أنني مصر على زعمي، بعد أن فهمت ذلك المعنى وبعمق، كما لو أنه اتضح لي لأول مرة. الوظيفة تُقِيم الأود ولكنها تدمِّر الروح، وتُدنِّي من قدر العقل إذا ما كانت بيئوية الوظيفة لا تقيم قدراً للعقل، ولا أظنني مرتبطاً بأودي كارتباطي بعقلي وروحي، وإن كانت الثقافة البائرة في عرف النبهاء خلافاً لثقافة صعاليك الفقر الداخلي، والخواء الغائي، والعصر المتشحِّر بالمادة.

إن الهدف الملاصق للأنفاس الزافرة الشاهقة  يضح لك الغبش في طريقك، ويخبرك كأستاذ ذو تجربة أن هذا عائق لتحقيقي. الهدف المضمِّخ لبؤرة الشعور ناصحٌ أمين، يعرّفك عليه وعلى مصاعده ومهابطه، وما عليك إلا أن تمضي في رحاب نصحه وإرشاده، ذلك الهدف كيانٌ باطني ووهجٌ مستتر، إنما عليك أن تكون به كما لو كان إله في ساحة أصنام. لا أتحدث عن اكتشافٍ يا عزيزي، بل عن تأكيد لتجربة قمت أنت مشكوراً بإثارتها في جوفي، أرمي بتلكم التجربة نفسي قبل غيري كلما وجدت خطوي يُبطئ، ومقاربتي لمن شرّقوا وغرّبوا تجعل من المسافة جرحٌ في كبدي، فأسعى فيه وملح الغاية في يدي، أذري عليه كي يصرخ وأصرخ معه، دون أن يستكين أحدٌ منا حتى يندمل فأمسك عن ذري الملح، ولا أشك طرفة عين أنني ولابد سأمسك عن ذري الملح يوما! 

اسكبوا أهدافكم في مضرب عطر، كي يفوح وتفوح روائحكم الممسكة من خلاله، ولا تنزِعوا إلى المال ففيه تخمة البطن ومداهنة العوام والسماسرة، ونقصٌ في العقل والتدبر، وضياعٌ للشعور الذي لا ينفك عن الجوع حتى يعود إليه بشراهة قرد الموز! اعتقدوا دائما أن عقولكم جوعى، وإياكم والثقة في تشبعها، فإن تلك مكيدة، فنِعم الجوع ذاك، وبأس التشبُّع. ولا تشاغبوا أرواحكم في هموم الوظيفة، فليس بالخبز وحدة يعيش الإنسان وإن كان الخبز حاجته. القراءة تجعل منك كاتب، والكتابة تجعل منك ثري، ولكن إنسان في أوج دورة الكمال الإنساني، ليس كذاك الثري الغبي الضحل!

من الحري أن تجعل ديونك قارباً وأن تكون أنت محيطها، حينها ستدرك أن الوظيفة منتهى الجبناء، وأن وظيفة الشجعان المعرفة التي لا منتهى لها!

قد تقول يا صديقي، أن الوظيفة كالبتلة في غصنٍ مزهر، وأنني بهذا الحديث أتمادى على غير وجه، وكأن الشطحة أخذتني كل مأخذ، على أني لا أنكر ولا أتنكر لمثالك الآنف، فهي بتلة حقيقية، جميعنا في إحوجاج إليها، لحظة. قال مخاطباً إياي. لا بأس دعني أكمل فكرتي وسأترك لك حرية ما تبتغي قوله. إذا لم نجد البتلة يا صديقي لا يعني ذلك أننا لن نجد الغصن، وبإمكان كل واحدٍ منا أن يصنع بتلته التي تناسبه وتقيه من حر الظروف القاسية، شريطة ألا تصير غصناً وبتلةً في آن، كما هو حالك وحالي اليوم مع الأسف.

أطرق هنيهة ثم وضع يده على فمي كما لو كان يغلق صنبور الماء الذي انفجر في وجهه، وقال في همس: صه؛ فإنني لآسى على ماضٍ كنت فيه بلا وعي، كأساي اليوم بعد أن وعيت، إنما في محيط من الديون! أنزلت يده بهدوء، ثم وضعتها على فمه. وقلت: لا تفكر كيف تجيب على تساؤلات الحقيقة عند معرضها عليك، بل فكر فيها حين سماعها، ثم فكر في الإجابة عليها بعد ذلك، فالمحيط الذي ذكرت لا يدل إلا على أنك لا زلت قارباً، ومن الحري أن تجعل الديون قارباً وأن تكون أنت محيطها، حينها ستدرك أن الوظيفة منتهى الجبناء، وأن وظيفة الشجعان المعرفة التي لا منتهى لها!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة