المعتزلة.. من أين جاءت التسمية؟

الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي لها مبررات وجيهة، ويكفي مبررا لهذه الدعوى أن عملية التأريخ هذه لم تقم من بدايتها على أسس علمية كافية. وليس هناك جهة رسمية كلفت بهذه المهمة. لقد بدأت العملية بصورة تلقائية اعتباطية فردية لا تخلو من سذاجة، كما هو الحال في المدونة الأولى للسيرة النبوية. فقد وجد محمد بن إسحاق – وهو أول مؤرخ عربي – في نفسه الرغبة لكتابة سيرة نبوية، ربما على غرار ما عرف من جده عن سير أهل الكتاب، فقد كان جده غلاماً نصرانياً قضى في الكنيسة شطراً من عمره قبل أن يسبى في معركة عين التمر التي هزم فيها خالد بن الوليد الجيش الساساني.

عاش محمد بن إسحاق طفولته في المدينة المنورة، وسمع كغيره أخباراً كثيرة عن النبي الذي لم يره، فقرر تدوين ما سمع من أخبار شفهية، دون أن يضع لنفسه منهجاً نقدياً لهذه الروايات، فجاءت مدونته خليطاً من التاريخ والخرافة، حيث سجل بعض أخبار الجن وأشعارا منسوبة إليهم، وسجل أخباراً عن أقوام بائدة عرفتها الجزيرة العربية يغلب عليها الطابع الخرافي. كما أن تاريخه للفترة النبوية قد غلب عليه المنظور العسكري، بل إنه كان تاريخاً حربياً للنبي ولم يكن تاريخا اجتماعيا للمسلمين بدلالة اسمه (المغازي) ودلالة مضامينه. أما بقية مدونات التاريخ الإسلامي فهي أقرب للتاريخ السياسي منها للتاريخ الاجتماعي، بدليل أننا نقسم الحقب التاريخية الإسلامية على فترات الدول الحاكمة لا بمعيار الزمن أو الظروف التاريخية.

لا شك أن لدى النقاد الكثير مما يمكن أن يقال في هذه الناحية، لكنه ليس مجال حديثنا في هذه التدوينة، وإنما هي فذلكة سريعة بين يدي موضوعها الرئيس، أعني موضوع إطلاق اسم المعتزلة للدلالة على تلك الفرقة الإسلامية الشهيرة التي برزت في العصر العابسي. فقد وجدت أن الدارسين لهذه الفرقة والمؤرخين لها، من العرب والمستشرقين، لم يهتدوا إلى سرّ تسميتها على الرغم من الجهد الكبير الذي بذل لفك شفرتها. والكشف عن أسرار التسميات مهم من وجهة نظر المختصين بالطبع، وبحسب عبارة الدكتور عبد الرحمن بدوى فإن "من المسائل الخطيرة أن نعرف لأي سبب وبأي معنى أطلق لفظ "المعتزلة"، أول ما أطلق على أصحاب المذهب الذي كان في القرون الثاني والثالث والرابع للهجرة خصماً خطيراً لمذهب أهل السنة في الكلام. ذلك لأنه يتوقف على مثل هذه المعرفة حل مسألة من أهم المسائل التاريخية، وتلك هي مسألة أصول حركة المعتزلة وطابعها الأصلي". أ هـ.(1)

والفريسيون هي كلمة آرامية تعني المفروزون (المعتزلون)، وقد أطلقت على فرقة يهودية ظهرت قبل مجيء المسيح بحوالي ثلاثة قرون.

إن معرفة أصول حركة المعتزلة وطابعها الأصلي مسألة مهمة بالنسبة لعالم كعبد الرحمن بدوي، لأنها قد تضيء له زاوية مظلمة من زوايا تاريخنا المجهول. وهذا تحديداً هو ما دفع كاتب هذه السطور لمناقشة موضوع قد يبدو في نظر البعض تافها في هذه اللحظة من زمن العرب المأساوي. إلا أن دلالاته العميقة تستحق الالتفات إليه. أعني تحديداً إدراك أن التاريخ العربي والثقافة الإسلامية قد تأثرا إلى حد كبير بعوامل مجهولة ومعروفة في آن معاً. معروفة على مستوى الإجمال ومجهولة على مستوى التخصيص. فكثير من المثقفين يعرفون – على مستوى الإجمال – إن الثقافة الإسلامية قد تأثرت كثيرا بالوافد الثقافي من جهة الكتابيين (يهودا ونصارى) ومن جهة العلمانيين (التراث اليوناني).

إلا أن غالبية المثقفين لا يستصحب هذه المعرفة في قراءته اليومية للتاريخ الإسلامي. فهو لا يعرف مثلاً أن كلمة "فاروق" التي وصف بها عمر بن الخطاب قد خرجت من التراث الإسرائيلي، وأن لها دلالة مهمة في ذلك التراث. فكلمة فاروق من "فارقليط" بمعنى المخلص (2). وهو الملك الذي تنبأت أسفار التوراة بقدومه إلى القدس لتحرير اليهود من قبضة الرومان راكباً على حمار. وهي التسمية التي أطلقها يهود القدس على عمر بن الخطاب. وهذا المثقف لم يعرف لزمن طويل إن كلمة "أريسيين" التي وردت في رسالة منسوبة إلى النبي محمد – موجهة للحكام البيزنطي هرقل – تعني أتباع الفرقة المسيحية المعروفة باسم "الأريوسيون" نسبة إلى الراهب الليبي آريوس الذي كان من أصحاب عقيدة التوحيد المسيحية. والذي يقال إن بحيرا الراهب وورقة بن نوفل ونجاشي الحبشة كانوا على مذهبه في النصرانية. وما زال الدارسون حتى الآن يجهلون المعنى الحقيقي لكلمة "سراسنة" التي وصف بها المسلمون في أدبيات الرومان!

وبالعودة إلى الموضوع الرئيس لهذه التدوينة، وهو موضوع المعتزلة، يمكنني الزعم بأن هذه التسمية قد صدرت عن جهة لها معرفة بالتراث الإسرائيلي (اليهودي والمسيحي)، وبدون العودة إلى ما قيل في تفسير هذه التسمية من قبل المؤرخين والدارسين المعاصرين – فهي موجودة في مظانها – سأعمد إلى الدخول مباشرة في صلب الموضوع. فالمعتزلة كما أظن هو الاسم الذي اختاره شخص مطلع على تراث أهل الكتاب ليصف به فرقة إسلامية تقاطعت – في جزئية محددة – مع فرقة يهودية مشهورة هي فرقة "الفريسيين"، والفريسيون هي كلمة آرامية تعني المفروزون (المعتزلون)، وقد أطلقت على فرقة يهودية ظهرت قبل مجيء المسيح بحوالي ثلاثة قرون، وكان صراعه معها في الغالب. وكان لهذه الفرقة خصائص منها – وهو وجه الشبه بينها وبين المعتزلة –إيمانها بالقدر، وجمعها بينه وبين إرادة الإنسان الحرة. أو بالأصح إيمانها بقدرة الإنسان على صناعة أفعاله كما يرى المعتزلة، وهذه هي النقطة التي اشتهرت بها الطائفتان، وبسببها أطلق علي المعتزلة اسم القدرية (من القدرة) في بداية الأمر، قبل أن يشتهر اسم المعتزلة.

هذه مساهمة بسيطة أضعها بين يدي المهتمين بدراسة تاريخ هذه الفرقة، لعلها تأخذ مكانها بين الأراء التي سبقت، لمزيد من الإثراء.

_____________________________________________
هامش:
1- التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية.
2- كعب الأحبار / إسرائيل ولفنسون.



حول هذه القصة

بالكاد يميز الزائر لمتحف “مدام توسو” بمدينة إسطنبول التركية بين معروضات المتحف الشمعية وزواره من الناس، فتماثيل النجوم والوجوه التاريخية وغيرها نحتت بدقة حولتها إلى نسخ “طبق الأصل” للشخصيات الأصلية.

أثار توقيف وزارة الأوقاف المغربية للشيخ محمد أبياط عن الخطابة جدلا حول العلاقة بين أئمة المساجد والسياسة. ودفع كثيرين لطرح السؤال القديم الجديد: أين تنتهي مهمة الإمام وأين تبدأ السياسة؟

كانت قضايا الدين والسياسة حاضرة بقوة في نقاشات اليوم الثاني والأخير من مؤتمر “الترجمة وإشكالات المثاقفة” الذي انطلق أمس بالعاصمة القطرية الدوحة بمشاركة نخبة من خبراء الترجمة والباحثين العرب والأجانب.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة