الفن "الإسلامي" إذ ينعي نفسه

ضجت الساحة الفنية في الوسط الإسلامي والمحافظ في يوم من الأيام بعدد كبير من الفنانين -وما يطلق عليهم بالمنشدين اصطلاحاً-، والذين قدّموا أنفسهم على أنهم أصحاب رسالة وقيم عليا يدعون لها، ويستخدمون الفن في الوصول إليها.

منذ البداية، كنت شخصياً ضد ربط مصطلح (الإسلامي) أو (الهادف) مع الفن، إذ في ساحة الإسلاميين لا يوجد ضوابط متفق عليها في هذا الأمر، بل هو اجتهادات عدة، وتقديرات شخصية، كما هو في الحال في الموسيقى وإدخال النساء في الكليبات، والتي ما زالت محل جدل ونقاش!

خسرنا خلال الفترة الماضية كثيراً من الأموال والجهود، التي ذهبت لصالح أعمال لم يخطط لها بشكل جيد، أو لم تنفذ كما خطط لها، فخرجت ضعيفة لا ترقى لذوق المتابع

ونفس الشيء ينطبق على ربط الفن بمصطلح "الهادف"، فقد اختلط علينا الأمر كثيراً، و بتنا نرى كثيراً من الأعمال المتهالكة معنى ومبنى، ولم تضف للساحة والمتابعين شيئاً، وفي ذات الوقت وسمها أصحابها بــــ "الهادفة" دون رادع أو رقيب!

طغت على الساحة في ذلك الوقت مشاكل عديدة، أبعدته عن تحقيق أهدافه، وشتت توجهه، أبرزها كانت عدم القدرة على تقديم أنموذج مستمر ومميز للعمل الفني صاحب القيم والرسالة النبيلة – على كثرة الأعمال وقتها وتعددها- والاهتمام بالشكل والمظهر على حساب الجوهر والنافع.

جزء من المشكلة إداري بالدرجة الأولى، فكثير من الفنانين لا يتقنون إدارة أعمالهم، أو لا يحسنون اختيار من يدير أعمالهم، وهنا لا بد بالتأكيد من استثناء بعض المؤسسات المميزة، كشركة اوايكننج، والتي تدير أعمال بعض الفنانين، كماهر زين، ومسعود كرتس، واستثناء أيضاً بعض الفنانين الذين عاينت أعمالهم عن قرب، كالفنان يحيى حوى، وغيرهم بالطبع، مع التأكيد على أن هؤلاء هم استنثاء، وأعدادهم قليلة جداً.

وقد خسرنا خلال الفترة الماضية كثيراً من الأموال والجهود، التي ذهبت لصالح أعمال لم يخطط لها بشكل جيد، أو لم تنفذ كما خطط لها، فخرجت ضعيفة لا ترقى لذوق المتابع، وحُسبت ضمنياً على قطاع الفن لتكون إضافة هادمة لا بنّاءة. وهذا ضمنياً يجيب على حجة شح الأموال وقلة الدعم، فكثير من الأعمال الصغيرة وغير النافعة لو جمعت في عمل جمعي كبير لأثمرت أضعاف تكلفتها، ولحققت نتائج أبعد مدى من تخطيط القائمين عليها.

ويكفي أن نضرب مثالاً هنا عن كثير من الأعمال التي قام الفنان -صاحب الأغنية- فيها بكتابة الأشعار، وتلحينها، وتوزيعها موسيقياً، وغنائها، على مبدأ أربعة بواحد! ولاحقاُ أصبحنا نرى اسم الفنان كمخرج للعمل إذا تم تصويره كفيديو كليب! والنتيجة واضحة منذ البداية، عمل فاشل بكل المقاييس، ولم يصمد أياماً في مكتبة المتابعين.

آمر آخر ومهم أيضاً، أن كثيراً من الفنانين بات الجمهور هو المحرك الأساسي لأعمالهم، فهم يسيرون على مبدأ "ما يطلبه المستمعون"، بغض النظر عن رأي المتخصصين أصحاب الخبرة، وبعيداً عن أي خطة واضحة المعالم توجههم وتوجه جماهيرهم في ذات الوقت. ولننظر -بتجرد- إلى الحال الذي أوصلتنا إليه قنوات الأطفال التي تبعت جمهورها، وعيونها على جيوبهم، ولا أرضى أبداً أن يجلس أبنائي أمام شاشاتها، لما تحوي من طامات ذوقية وتربوية.

لم يكن الفن "الإسلامي" في حالة أسوء مما هو عليه الآن، وهذا ليس كلامي وإنما نتيجة وصل إليها الكثير من الفنانين والعاملين في هذا القطاع، فالانتاج فيه أقل بكثير من ذي قبل، والدعم والتمويل يتضاءل، والجمهور تشتت، ما بين كبير في السن يحن إلى ماضٍ يعيد إليه تلك الكلمات القوية واللحن البسيط، وشباب وجيل جديد وجد أمامه الكثير من الخيارات في لحن أجمل، وتوزيع موسيقي مميز، ولا سيما بعد توسع قاعدة الفنانين، ودخول آخرين كان "محرماً" في السابق الاستماع لهم.

سمعنا مراراً بتجمعات وتكتلات وشركات لإدارة أعمال الفنانين وتنسيق جهودهم وتوحيدها، ولكن لا نجد منها شيئاً الآن، إذ ذهبت جهودها أدراج الرياح، حيث لم تتخذ الاحترافية طريقاً لها، ولم تكن ذا بعد استراتيجي في إدارة أعمالها.

الفنانون هم جزء من نسيج المجتمع، ونتاج عنه، نحبهم ونقدر أعمالهم، ونحب أن يظهروا بأجمل حلة أخلاقية، وأبهى صورة

نظرتي للفنان أنه شخصية محبوبة، مثقفة، ولديه برنامج للتطوير الشخصي والمهني، ويعمل على تطوير نفسه بشكل دائم، ولديه من القيم ما تحميه من الانزلاق وراء عالم الشهرة والمحبين، ويسعى لخدمة الصالح العام ومساعدة المجتمع على النهوض والتقدم. وهذا بتقديري عمل كبير ومجهود يحتاج فيه الفنان إلى الاستفادة من خبرات الآخرين وتجاربهم، واستشارة المؤسسات ذات العلاقة.

ما نراه أو نسمعه من الفنان هو نتيجة عمل طويل ودؤوب، يعمل فيه مجموعة كبيرة من الموسيقيين، والمصممين، والشعراء، والمدققين، وغيرهم. وكل عمل هو عبارة عن مشروع كبير يحتاج إلى مدير مشروع محترف، يتقن صنعته، ويعرف كيف ينسق ويوجه العمل إلى حين تحقيق غاياته في الوصول إلى أكبر عدد من المهتمين والمتابعين.

الفنانون هم جزء من نسيج المجتمع، ونتاج عنه، نحبهم ونقدر أعمالهم، ونحب أن يظهروا بأجمل حلة أخلاقية، وأبهى صورة، حيث أنهم قدوات أطفالنا، ومحل نظر الجيل القادم، شئنا ذلك أم أبينا، ولذا علينا – وعليهم – الارتقاء بأنفسهم وبأعمالهم، وهذه مسؤولية مشتركة ما بين الداعمين، والفنانين، والمؤسسات العاملة في القطاع، والجمهور أيضاً. وإن لم نفعل فسيذهب أطفالنا إلى غيرهم، ليختاروا قدوات أقرب إليهم، ويسيروا على دربهم، وعندها لا ندري ما تكون النتيجة!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة