الصينيون القادمون للسودان غزاة أم سائحون؟

خلال الأسبوعين الماضيين اطلعت على تصريحات صحفية متلاحقة لمسؤولين سودانيين في وزارة السياحة والاثار والحياة البرية يبشرون الشعب بقدوم مليون سائح صيني سنويا ً بعد توقيعهم اتفاقية ثنائية صينية سودانية وعندما قرأت الخبر لأول وهلة سخرت منه لأنني أعتقد أن البنية التحتية للصناعة السياحية السودانية أضعف من أن تحتضن مثل هذا العدد واعتقدت أن هذا الخبر هو مبالغة من مبالغات حكومة الإنقاذين مثل شركة سبرين الروسية والنفرة الخضراء أي أن الموضوع لا يخرج عن كونه ماسورة جديدة من مواسير الإنقاذ.

زاد من حيرتي تتابع الأخبار التي تنقل قصة تفويج السياح الصينيين إلى السودان على صحف عربية لندنية محترمة وإطلاق بعض المغردين السودانيين هاشتاق #ارض_السودان_ملك_الشعب رفضا لما سموه بالاستعمار الصيني للسودان وقولهم إن الحكومة السودانية تخطط لاستعمار صيني في البلاد تمنحهم بموجبه أراضي في السودان بدلا ً من الديون التي يتوجب عليها أن تدفعها للصين.

تراكم الثروات شرقا عند الصينيين أدى لظهور طبقة أغنياء في الدولة الشيوعية اسماً الرأسمالية واقعاً وهذه الطبقة الغنية أصبحت لها مثل كل طبقة غنية ميول ترفيهية مثلهم مثل الغربيين

طبعا الإنسان دائما عدو ما يجهل وفي الحقيقة أنا معلوماتي في المجال السياحي شحيحة ولذلك فإنني في البداية أحسست بنفس شعور من يعارضون هذه الاتفاقية السياحية بين السودان والصين لأنني لا أثق في هذه الحكومة التي فرطت في نيفاشا بثلث السودان من أجل البقاء في السلطة بأمان ولأن مفكر هذه الحكومة الاقتصادي السيد عبدالرحيم حمدي دعاهم لبيع أصول الدولة من أجل حل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد ولكن هذا الإحساس لم يمنعني أن أبحث عن السياحة الصينية في العالم عموما وفي محيطنا العربي والإفريقي خصوصا لأعرف مدى الجدوى الاقتصادية لمثل هكذا مشروع.

لقد كانت الصين حتى عام 1971م دولة معزولة تحكمها حكومة لا يعترف بها المجتمع الدولي وبعد دخول الصين الشيوعية إلى المجتمع الدولي حدثت تغييرات كبيرة في المجتمع الصيني فالصين التي أدخلتها الولايات المتحدة للمجتمع الدولي لتكون سوقاً استهلاكية لتبيع فيها منتجاتها أصبحت دولة صناعية منتجة بل إن جودة السلع الصينية ورخص ثمنها دمر الصناعة في العالم الغربي مما جعل الثروات تتراكم شرقا عند الصينيين وظهرت طبقة أغنياء في الدولة الشيوعية اسماً الرأسمالية واقعاً وهذه الطبقة الغنية أصبحت لها مثل كل طبقة غنية ميول ترفيهية مثلهم مثل الغربيين

ومن هذه الميول السياحة الثقافية والترفيهية نحو البلدان الأخرى وأصبحت الصين سوقا تتنافس عليه الدول السياحية لا لأن السائح الصيني كريم اليد مثله مثل السائح الغربي بل لأن السياحة الصينية سياحة كمية بأعداد غفيرة ومستوى صرف متوسط أي أن السائح الصيني يساهم في تشغيل المرافق السياحية في غير فترات العطلات المعروفة مثل رأس السنة والصيف والأعياد الدينية.

في الفترة الأخيرة بدأ السياح الصينيين يملون من السياحة تجاه الدول الغربية بسببخس كونها مكلفة ولأنهم أصبحوا يتعرضون هناك لمضايقات وهذا الأمر وجه الصينيين نحو سياحة أرخص تكلفة وبدون أي مضايقات على خلفيات سياسية أو عرقية فاتجهوا نحو السياحة في العالم العربي وافريقيا وأصبح للصينيين تواجد كبير في دبي على سبيل المثال حتى أن عدد سياح الصين في دبي وصل في أحد الأعوام إلى 8 مليون سائح في العام وأيضا اتجه السياح الصينيين إلى مصر ووصلت أعدادهم في فترة مجد السياحة المصرية 2010 إلى حوالي 400 ألف سائح صيني جاءوا لزيارة الأهرامات ومعابد الفراعنة وأما دول الأردن والجزائر وجنوب افريقيا واثيوبيا فقد باتت أماكن مفضلة للصينيين لقضاء عطلة عيد الربيع الصيني بسبب أن رخص الإقامة عليها وجودة الصناعة السياحية فيها وبلغ الأمر من شدة الرغبة في السائح الصيني أن قرر ملك المغرب إلغاء التأشيرة على الصينيين من أجل إقناعهم بزيارة المغرب وتحريك العملية السياحة فيه.

بالمجمل والمختصر فكرة جلب السياح الصينيين للسودان هي فكرة ليست سيئة ولكنها على الواقع ستواجه بمعوقات ضخمة ستجعل من جدوى هذه الاتفاقية السياحية ضئيلة جدا ًعلى الاقتصاد الوطني السوداني.

أبرز هذه المعوقات التي ستواجه هذه الاتفاقية هي مسألة العقوبات الاقتصادية الأمريكية على السودان فلن يستطيع السائح الصيني إدخال دولارات للبلاد وسيضطر إلى الشراء بعملته المحلية اليوان أي أن أبرز أسباب العملية السياحية وهو "جلب رصيد بالعملة الصعبة للبلاد" انتفى واقعيا ولن تستفيد خزينة البلاد بأي دولار.

المعوق الثاني هو اختلاف الثقافات الكبير معروف أن السائح الصيني يعشق الخمور ويداوم على شربها ومعروف أيضا أن السائح الصيني جاء من أجل الترفيه لا من أجل الانضباط فكيف سوف تتعامل البلاد ذات التقاليد المحافظة و"الحكم الإسلامي المزعوم" مع سائح صيني جاء يبحث عن الترفيه.
 

الحكومة السودانية ليست صادقة في مزاعمها أنها تستطيع احتمال مليون سائح صيني فمرافقها السياحية حسب اعتقادي لا تحتمل مثل هذا العدد ولا نصفه ولا ربعه ولا عشره

المعوق الثالث هو أن السياح الصينيين مشهورون بالجريمة والفوضى حتى أن جيرانهم في آسيا من الكوريين اشتكوا منهم ومن سوء سلوكهم تقول وكالة يونهاب الكورية عدد حالات الجريمة التي تورط فيها سائحون في جزيرة جيجو الكورية السياحية في 2015 هي ثلاثة آلاف جريمة أغلبها الأعظم من السياح الصينيين الفوضويين حسب الشرطة الكورية كانت الجرائم تتمثل في إلقاء الأوساخ في الشارع وعبور الطريق بشكل غير شرعي والتبول والتبرز في الطرقات عدم تنظيف دورات المياه بعد استخدامها بالإضافة إلى حالات تحرش مع السيدات في أحواض السباحة وفي الصفوف في المطار كيف ستقدر الحكومة السودانية وشرطتها من ضبط هؤلاء السياح المشاغبين المجرمين بالمقاييس الكورية لقد اضطرت الحكومة الإيطالية قبل فترة إلى طلب انتداب شرطة من الصين للتعامل مع مواطنيهم المشاغبين في المرافق السياحية الإيطالية.

ختاما ً السياح الصينيين ليسوا غزاة قطعا كما زعم الدكتور زهير السراج ولا ينبغي الترويج لمثل هذه الأراء الغريبة والتي تدعو للانغلاق ولكن الحكومة السودانية أيضا ليست صادقة في مزاعمها أنها تستطيع احتمال مليون سائح صيني فمرافقها السياحية حسب اعتقادي لا تحتمل مثل هذا العدد ولا نصفه ولا ربعه ولا عشره حتى ولكن فكرة الترويج لصناعة سياحية في السودان ليست فكرة سيئة كونها تخدم في النهاية الاستثمار في قطاع الخدمات والفنادق المتهالك في السودان.



حول هذه القصة

أطلق الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب سلسلة من الطلقات المبكرة في ما قد يتحول إلى حرب تجارية كاملة، قد تفضي إلى عواقب وخيمة على الولايات المتحدة وبقية العالم.

يخطط علماء صينيون لرسم خريطة جديدة لسطح القمر وإتمامها بحلول نهاية عام 2018، ثم طرحها للأسواق عام 2020. وستوفر الخريطة الجديدة معلومات عن سطح القمر وتركيبته وتطوره الزمني.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة