الجرأةُ النّاعمة

تحيّرنا المتناقضات، وتضيق بنا أسباب الفكر أحياناً، حتى ينشطرُ العقلُ عقلين، أحدُهما يقرّك، وآخرٌ ينقلكَ، وبين هذا وذاك، بسائط لا بدّ بديهية، ونفسٌ تُكسَرُ كسراً وتُرضّ رضّاً وتنتزعُ جمحاتها نزعاً، ومحنٌ تميتك، ثم تحييك، وفضاء ينسبُ إليه كلّ شيء..

وفي حدود اللغة حدودُ إلهام، حدةُ قريحةٍ، وذكاء فكر، وملكة نفسية جبارة مُتَعسفة تُبَيّنُ الاستقلالَ وتنفذُ الأمر خارج حدود الجسد دون اضطراب أو اختلال، لتطربَ النفس وتنتشي تحت وقع الجرأة والفتنة.

روحٌ قوية تؤتيك قلباً وعقلاً وذوقاً لا مثيل له، توهب ملكة تفصل بين الجمال والقبح، وتُجلي الفطنةَ من الفطرة، وتصقل الطّبع من سكرات الخبث، وتموج بالخيال حتى يفسح للذاكرة مجالاً فتنتظم. وليس في ذلك ما يُنعتُ بالطّيش أو الفجور أو الزندقة، بل هي ثورة معركتها الحياة، عراكٌ مع العراء الفكري، وأضراب الهدوء. هي ثورة في إثبات الذات بالذات، فتخرجُ الشهرة عن نطاق الجرأة الصارخة إلى نطاق الجرأة الناعمة.

الجرأة لا بد أن تكون ناعمة بصفاء اللفظ وإشراق المعنى وحسن المعرض وجمال العبارة، والقوة التي تورثها بالقليل الجريء أشد وطأة مما هي عليه في الكثير الخائر.

لا يُسعفنا في الحياة إلا حرفٌ يضيقُ في الصدر فنكتبه، وجزالة المعنى يتمخضُ حتى ينكشفَ السرّ فيُفضح. وبين الخُفوت والضّجة، خيطٌ رفيعٌ يُسمّى الجرأة، ننعمُ بامتلاكها، ويعيش الضيقَ فاقدُها، وكيف لا والمادةُ تجتمع في خمسة: اطلاع، وذوق، وخيال، وقريحة، وجرأة.

ويعملُ العقلُ على تصريفها بقوة تُعمِل الأعضاء فتتعبها، حتى يشعر الجسد بالموت فيُسمعُ له شخراتٌ تقفل باب الحياة، فتتقاذف الروح في الفضاء الأبدي. وإن لم تفسر الجرأة ما بنا لصحّ أن يصبح الجوفُ تعبيراً تضاريسياً يكشفُ آلام المخاض المركب، وذلك كلّه كالجرح الذي ظاهره ألم وباطنه ألم، وما تذر عليه لا يزيده إلا إيلاماً..

وللحبِّ الجرأة من قبل ومن بعد، ألا ترى أنك تصارعُ ما بكَ من أمواجٍ ألمّت بكَ منه، ترتفع وتنخفض أبداً حتى إذا خرج إلى نطاق العينين أفصحتْ به النظرة فثقبت، وإذا نطقت به جرت الكلمات سيلاً يجرّف بحوافره الأعناق والقلوب، وعلى حافة الكلمة والكتابة تتخلعُ الأفئدةُ بزلزالٍ هو أهونُ من قطعة قلبٍ منزوعة على طراز يتلوى وينعقد فلا يترك مكاناً للحياة أبداً، والجرح بعده لا يرتقُ ببوح الشفتين… وكل ذلكَ محاولةٍ لتفسير فكرة جميلة تتعطف في حواشي النفس… ولولا الجرأة في الحب لما تكاثرنا وتناثرنا، وعلى كل خيرٍ تجمعنا.. وما بالنا نستعملها في البغض والكره حتى سفكنا دماءً، وأزهقنا أرواحاً، ويتمنا أطفالاً، وشردنا نساء، وقصمنا شيوخاً، ونبخل ببذرة حبّ موسومة بالجرأة الناعمة؟

وللحق الجرأة من قبل ومن بعد، فلا بدّ لكلام الحقّ أن ينفذ إلى دمك مع أنفاسك، فتصفر جلدتك وترتاعُ، والويل من كلمة حقٍّ لم تخرج، لعمري لهي لعنة تميتك وثراك حيٌّ، تجري في عروقك، وتتركك يابساً لا تصلح إلا لحريق ينشبُ فيك فتتقلبَ وتتسعر حتى تمسي رماداً لا معنى له.. فالذنب في اخضرار عقلك، ويباسِ لسانك، وهل تحسبنّ الحق تمراً أنت آكله، بل شوكاً يصعبُ حمله، ويصعبُ تصديقه، ويصعب التصريح به، يغيظك بدقاته، ويطرحُك فراغاً للبُهر والإعياء.. ألا تعلم أن أعظم جهاد كلمة حقّ في وجه جائر؟

والله إن الجرأة لقدرٌ مقدورٌ يُسطرُ في صفحاتِ الكُتاب ولولاه لقصروا عن الغاية، ولوقعوا في الركود، ولفسدوا كما يفسدُ القلبُ بقلة الطاعات، فينتهي الراهب بقلتها جِلفاً، وينتهي الكاتب بفقدان الأولى صريعاً على قارعة الأدب..

جرعة من الجرأة لا تضرّ، وجرعة من كلام يخلو من الجرأة لا ينفع، والإفراط فيهما جائر في حق النفس، فالجرأة لا بد أن تكون ناعمة بصفاء اللفظ وإشراق المعنى وحسن المعرض وجمال العبارة، والقوة التي تورثها بالقليل الجريء أشد وطأة مما هي عليه في الكثير الخائر.

جرأة ناعمة، تغري وتفتن، ترفع وتذل، وتجلبُ للوجود نكهة من نوعٍ خاص، تعلق بالنفس فيحدث فكراً متمكناً تتطاوع له البشرية، وذلك لا فكاك منه إلا فُسحة قلمٍ يجود به الفكر، ويستمد من أعلاقه وذخائره، فيسالم الداخل ليحل السلام، فمغاص الكلمة في لجج الجرأة توثقك، فلا تتبسّط ولا تتسرّح بكلامٍ إلا في مكان جرأتك.



حول هذه القصة

تسببت موجة صقيع تجتاح أوروبا منذ الأسبوع الماضي في وفاة ما لا يقل عن أربعين شخصا معظمهم في بولندا، وسط مخاوف على مصير آلاف اللاجئين العالقين والمشردين.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة