التقسيم بات حقيقة

المتابع للشأن السوري ينقسم إلى عدة أقسام:
القسم الأول: متابع تغلب عيه العاطفة وهذا طبيعي جدا.. هذا النوع من المتابعين يعانون من انفصام حقيقي لأن مشاعرهم لا تظهر إلا أمام شاشات التلفاز أو شاشات هواتفهم المحمولة وهم يطالعون مواد مرئية تخص معاناة الشعب السوري.
القسم الثاني: المتابع العقلاني.. وهذا النوع يملك القدرة على المناقشة بجدية وعقلانية وحيادية في بعض الأحيان ولا يخلو الأمر من الفلسفة وهذا كله يحدث بينما يحتسي كوب قهوته الصباحي مع قطعة الحلوى.
 

القسم الثالث: هو نوع يعاني كما يعاني الشعب تماما.. وقد حول حياته لجحيم حقيقي، برغم بعده الجغرافي عن المكان، يُبرر لهم هذا في واقع الأمر حيث أن الكثير الكثير من الأقارب تحت يحط بهم خطر شديد.
القسم الرابع: المتابعون المغيبون عمداً أو قصراً.. وكلاهما سواء.
فالمغيب عمداً شخص قبل بنظرية القطيع ورضي أن يكون أحد أفراده. أما المغيب قصراً.. كان بإمكانه أن يكون رمادي اللون وهو القسم الخامس.
 

نعم نحن نحتاج إلى التحفيز، لكن نحتاج أن نتعلم أولاً.. عليك أن تحفز الشخص الصحيح في المجال الصحيح، حيث لا يمكن أن تجعل السمكة تطير عبر التحفز فقط وهذا الفرق بيننا وبين العالم الأول.

الملفت للنظر أن هذه الأقسام وأقسام غيرها كثيرة موجودة ضمن نفس الطبقة المجتمعية بل ونفس المنزل ولأكون دقيقاً داخل النفس الواحدة. باتت النفس الواحدة تحوي كل هذه الأقسام وتتصارع داخلها. ولأن لكل صراع نتائج، فكانت نتائج هذا الصراع تظهر على شكل تناقضات غير مفهومة.
 

وهذا تماما ما كانت تريده الجهات المتحكمة بالأمر.. فيبدو أن التفرقة التي فرضت علينا منذ قرابة مائة وعشرين عاماً لم تكن كافية، وهم يردون أن يكون داخل كل واحد فينا "سايكس بيكو" خاص به يقسمه إلى اثنان وعشرين قسماً.. وبعدها سيصل مع مرور الزمن إلى قرابة الثلاثين قسماً.. ولا أحد يعلم إلى أين ممكن أن ننتهي.

لن تتوقف محاولاتهم الناجحة حتى العشر سنوات القادمة على الأقل.. من تفكيكنا وتمزيقنا داخلياً، هذا لأننا أثبتنا لهم أن قدرتنا على تمزيق بعضنا خارجيا أكبر من قدرتهم هم أنفسهم على فعل هذا شريطة أن نمزق داخلياً. الفجوة تتسع بيننا وبين أنفسنا إلى مستويات فلكية.. ماذا سنفعل إذا بالفجوة بيننا وبين من يحيطون بنا!
 

لا شيء يمكن إصلاحه في الفترة القادمة ولا يمكن ترميم ما هدمته الحروب الحديثة وإعادة ترميم الفجوات بحاجة إلى كمية كبيرة من المعدات ومواد البناء.. وكل هذا سيكون مشغولاً في السنوات القادمة بإعادة ترميم البلاد. وما الفائدة من ترميم البلاد بعد أن تم هدم الأساس الذي تقوم عليه البلاد؟ إعادة البلاد إلى وضعها السابق سيكون أمرا مخيفاً جداً.

نعم مخيف جداً، فمن هدمه المرة الأولى جاهزون لهدمه مرة ثانية وثالثة. ليس بضرورة بأيدهم.. لكن الأفكار المتناقلة التي لابد أن تحارب بأفكار مثلها وإلا فنحن في الطريق الصحيح للنهاية، وستذكر الأفلام الوثائقية بعد بضع مئات من السنوات عن شعوب عاشت في الشرق الأوسط وقضت نتيجة الصراعات الداخلية، ونجا منهم بضعة ملايين وقد طمست هويتهم مع مرور السنين وقد اكتسبوا هوية دولهم الجديدة.
 

الحقيقة أن جزء كبير منا -وهنا أقصد من لا يملكون صناعة القرار- كان يندفع بحسن نية أو مصالحه الشخصية وهذا ما خطط له بشكل عام أن تقوم بما أرادوا هم بدافع داخلي منك دون أن تشعر أنهم نجحوا بالتأثير على قرارك.. هم تماما يقومون بوضع طعم صغير لتتهافت عليه الأسماك من كل صوب. امتلكوا القدرة على السيطرة على عقولنا وطريقة تفكيرنا من حيث لا نعلم، لدرجة أننا نبتكر لهم أفكاراً تخدمهم أكثر من أفكارهم نفسها.

مقابل كل هذه الصراعات تسيل أنهار الدماء في كل مكان، التي بدورها تخدم فئة مختلفة من الأفراد فئة صنّاع أدوات الموت.. وهي أرض خصبة لهجرة العقول المميزة إلى العالم الأول.

لم يفت الأوان بعد!
لازال بإمكاننا إنقاذ الكثير.. بالعمل والجد وتحفيز أفرادنا وبناء مجتمعات متفائلة ومنتعشة ومحبة للحياة، كذبة أخرى نتلقاه يومياً عن طريق دعاة التنمية. لا أقلل من أهمية هذا الأمر على الإطلاق لكن بات يُقدم لنا على أنه وجبات سريعة ومشبعة.. حتى أصبح سبباً رئيسياً في سكتات الدماغ المنتشرة، وعلى هذا الأساس لا يمكن الاستمرار بالتعاطي مع هذا الأمر كما السابق. هو مفيد في حالات معينة، وإلا فهو القاتل الأكبر لكل شيء جميل ربما لزلنا نملكه!
 

نعم نحن نحتاج إلى التحفيز، لكن نحتاج أن نتعلم أولاً.. عليك أن تحفز الشخص الصحيح في المجال الصحيح، حيث لا يمكن أن تجعل السمكة تطير عبر التحفز فقط وهذا الفرق بيننا وبين العالم الأول، عمليا هذا الفرق ليس مغيبا عن النخبة المتواجدة لدينا لكن هذا الفرق خدم مصالحهم أكثر في حال بقي على وضعه الحالي وحقيقة ما يجري الآن ليس صراعاً سياسيا وعرقيا وطائفيا ودينيا فقط.
 

إنه صراع بين العلم الباحث عن مصالح أفارده والعلم الباحث عن مصالح جماعاته، إنه صراع بين الجاهل المتواجد بين القطيع والجاهل الذي يقود القطيع. مقابل كل هذه الصراعات تسيل أنهار الدماء في كل مكان، التي بدورها تخدم فئة مختلفة من الأفراد فئة صنّاع أدوات الموت.. وهي أرض خصبة لهجرة العقول المميزة إلى العالم الأول. ومن لم يكن عقلا مميزا فهو صالح ليكون عبداً لكن.. على الطراز الحديث.
 

ومن لم يكن عبداً مطيعاً فبإمكانهم الاستفادة من أعضائه الطبيعة. ولا زلنا نشهد كل ساعة ولادة قسم جديد، التقسيم في حال نجونا منه جغرافياً.. وأستبعد ذلك.. فقد بات حقيقة من الناحية الإنسانية.



حول هذه القصة

طرحت مقدمة البرنامج راية يعقوب خلال حلقة بعنوان “سايس بيكو الجديدة” عبر برنامجها “مشروع حقيقة” عدة أسئلة عن المستفيد من الصراعات التي تجري في المنطقة العربية.

ناقش برنامج “الاتجاه المعاكس” إن كان الإسلام السياسي وبالا على الثورات العربية، وهل ركب موجتها وحرفها عن مسارها وحولها لصراعات طائفية؟ أم أنه يتعرض للشيطنة بسبب شدة باسه بمقاومة الاستبداد؟

يودع العالم عاما آخر مثقلا بالأحداث والأزمات السياسية والصراعات المسلحة التي أمَل كثيرون أن يشهد العام 2016 نهايتها، لكن صوت الرصاص كان أعلى ولون الدماء كان أوضح، خصوصا بعالمنا العربي.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة