الترجمة ومواكبة المصطلحات الجديدة

يعاني المترجمون العرب من النقص الشديد والفقر المدقع في المعاجم المتخصصة باللغة العربية، فلو أنك تترجم نصوصًا متخصصة لن تجد هناك ما يمكن أن يسعفك سوى المعاجم الإنجليزية وموسوعة الويكيبيديا لكي تفهم معنى المصطلح الإنجليزي، وعندما تبحث عن الترجمة العربية الملائمة لهذا المصطلح، ستجد نفسك فجأة في صحراء قاحلة لا زرع بها ولا ماء ولا معين فيها ولا أنيس. فتضطر إلى الاعتماد على نفسك في "ابتكار" أو "نحت" مقابل عربي لهذا المصطلح.
 

من المؤكد أن هناك آخرون تعرضوا لهذا المصطلح واصطدموا بالمشكلة نفسها، وخاضوا المعاناة نفسها، واعتمدوا على أنفسهم في إيجاد مقابل عربي لهذا المصطلح. ولكن أنى لك أن تعثر على هذه المحاولات على الأقل لتسترشد بها في الوصول لبديل أحسن إن كنت لن تأخذ بها. فحتى الآن لا يوجد موقع أو منصة مركزي ينشر عليها المترجمون العرب اجتهاداتهم في ترجمة المصطلحات الجديدة، التي يصادفونها في النصوص التي يترجمونها سواءً في عملهم الخاص أو في الترجمة الصحفية والإعلامية، أو غير ذلك.
 

أصحاب اللغات الأخرى، رغم أن لغاتهم محدودة النطاق وإمكانياتهم أضعف بكثير، يحاولون جهد طاقتهم في متابعة كل ما هو جديد باللغة الإنجليزية وفي إيجاد مقابل لغوي لهذه المصطلحات.

هذه المعاناة الأزلية سببها بسيط وبديهي. فلغة العلوم هي الإنجليزية. والمعرفة العلمية تتطور بسرعة البرق، والمصطلحات تتدفق كالفيضان من كل حدب وصوب. وبينما تتبارى المراصد اللغوية الإنجليزية في رصد كل همسة ولمسة، وشاردة وواردة تكتب أو تنشر أو تبث أو تذاع بالإنجليزية في أي ركن مظلم أو مضيء من أركان المعمورة أو حتى في صفحة مجهولة في منزوية في أعمق أعماق الإنترنت. وفي كل عام، ترى تقارير عن الكلمات الجديدة التي دخلت اللغة، وقائمة طويلة عريضة بالمصطلحات العلمية والمتخصصة الجديدة التي أضيفت إلى الذخيرة اللغوية الإنجليزية.
 

ربما يقول قائل: الصورة ليست قاتمة إلى هذا الحد، فهناك قاموس المعاني، وهناك النسخ العربية من الويكيبيديا، وهناك مواقع مجامع اللغة العربية على الإنترنت. في الحقيقة الصورة أسود مما تتخيل. لأن كل هذه الحلول هي أشبه بسلحفاة تتسابق على الأرض ليس مع أرنب ولكن مع طائرة نفاثة تحلق بأضعاف سرعة الصوت، فقاعدة المصطلحات في هذه المواقع لم يتم تحديثها منذ فترة طويلة، وحتى ما بها من مصطلحات لا يمثل شذرة من المصطلحات الإنجليزية المتاحة في ذلك الوقت.
 

ربما يقول قائل آخر: ليس من المنطقي أن تكون هناك ترجمة لكل المصطلحات العلمية، لأن سرعة إنتاج المعرفة باللغة الإنجليزية تفوق جميع اللغات الأخرى، حتى في الدول المتقدمة. ومن المستحيل على أي لغة أن تواكب هذا التطور المعرفي اللاهث وأعداد المصطلحات الجديدة التي تظهر كل يوم. وهذه صحيح ولكن بصورة نسبية. فأصحاب اللغات الأخرى، رغم أن لغاتهم محدودة النطاق وإمكانياتهم أضعف بكثير، يحاولون جهد طاقتهم في متابعة كل ما هو جديد باللغة الإنجليزية وفي إيجاد مقابل لغوي لهذه المصطلحات ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
 

نظرة سريعة إلى الصفحة الرئيسية لموسوعة الويكيبيديا الشهيرة على سبيل المثال تجعلك تكتشف مرارة هذا الواقع المؤسف. فالنسخة الإنجليزية بها 5 ملايين و260 ألف مقال، والنسخة الألمانية بها ما يقرب من مليوني مقال، تليها النسخة الفرنسية بمليون و800 ألف مقال، ثم النسخة الروسية بمليون و300 ألف مقال ثم النسخة الإيطالية بمليون و300 ألف مقال ثم النسخة الإسبانية بمليون و289 ألف مقال، ثم النسخة البولندية بمليون و187 ألف مقال ثم النسخة الصينية بمليون و33 ألف مقال ثم النسخة البرتغالية بتسعمائة ألف مقال أما النسخة العربية فبها 445 ألف مقال فقط.
 

فهل يعقل على سبيل المثال أن يكون حجم المحتوى باللغة البولندية على الويكيبيديا ما يقترب من ضعفي حجم المحتوى العربي! مع العلم بأن البولندية هي لغة دولة واحدة بولندا عدد سكانها 39 مليون نسمة، بينما العربية هي لغة 22 دولة يعيش فيها ما يقرب من نصف مليار إنسان.



حول هذه القصة

صدرت عن مؤسسة “كتب آركيبالاغو” بمدينة نيويورك الأميركية الترجمة الإنجليزية لكتاب “في حضرة الغياب” للشاعر الفلسطيني محمود درويش، قام بنقلها من اللغة العربية الشاعر والروائي العراقي سنان أنطون الذي أكد أن تصديه لترجمة هذا الكتاب مثل تحديا كبيرا.

أصدر المركز القومي للترجمة بالقاهرة الترجمة العربية لكتاب “نحو فهم للعولمة الثقافية” من تأليف بول هوبر، وترجمة طلعت الشايب، ويعد الكتاب محاولة رصينة لفهم العولمة الثقافية والقضايا الجدلية المحيطة بها، بما فيها تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصال الحديثة، في تدفقات البشر والصور والأصوات.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة