هدنة المضطرين.. واللعب على الحبال السورية

Russian ambassador to UN, Vitaly Churkin (L) listen to addresses by United Nations (UN) Security Council members during a vote on a ceasefire in Syria at UN headquarters in New York, New York, USA, 31 December 2016. The UN endorsed the ceasefire agreement in Syria submitted by Russia and brokered with Turkey.

بعد سقوط حلب الشرقية، جرى تهجير أهلها بسرعة ملفتة إلى خارج نطاق الغلاف الأرضي لمدينة حلب. هذا "الإنجاز" السلبي السريع تلاه إنجاز أسرع، هو اتفاقية وقف إطلاق النار بين المتصارعين على الأرض السورية.
 

رعت الاتفاقية تركيا روسيا، بحيث تضغط الأولى على الفصائل المسلحة للقبول والتنفيذ، وروسيا بدورها تضغط على إيران وسلطة الأسد، وهنا نود أن نشير إلى أن روسيا استطاعت أن تقنع أو تجبر العالم على القبول بأنها طرف محايد يسعى إلى إيجاد تسوية سلمية تكون مقبولة من الأطراف كافة، بدليل أن مجلس الأمن رحب بالاتفاقية ووافق عليها فوراً.
 

شعور بوتين أن سورية أصبحت كالمستنقع الذي تنزلق إلى أعماقه أقدام روسيا كلها، حيث لم تستطع عبر أكثر من سنتين أن تقضي على الثورة، ومن هنا تولدت لدى روسيا قناعة بعدم جدوى استمرار الحرب.

على أية حال، ما يهمنا هنا تحديداً هو، لماذا وافقت الأطراف كلها بسرعة على هذه الهدنة؟! هذا ما نحاول الإجابة عليه هنا، دون كثير من التفاصيل.
 

لو بدأنا بروسيا، فإن لديها الكثير من المبررات للوصول إلى الاتفاقية:
المبرر الأول: هو شعور بوتين ومعه وزير خارجيته أن سورية أصبحت فعلاً كالمستنقع الذي تنزلق إلى أعماقه أقدام روسيا كلها، حيث لم تستطع عبر أكثر من سنتين أن تقضي على الثورة، وتجبر المعارضة على الخضوع، بالرغم من استخدامها كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً. من هنا تولدت لدى روسيا قناعة بعدم جدوى استمرار الحرب، وأصبحت شبه متأكدة أن الشعب السوري يستحيل إخضاعه عسكرياً ولا سياسياً.

المبرر الثاني: هو الحضور المرتقب لدونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وخشيتها من مزاجياته الحادة، فمن يدري، قد يأمر بتسليح المعارضة السورية بصواريخ مضادة للطيران، وهذا يذكّر بورطتها، بل بهزيمتها المريرة في أفغانستان.

المبرر الثالث: هو أن روسيا تتطلع إلى عام 2018 وهو العام الذي ستجري فيه بطولة العالم لكرة القدم على أراضيها، وهي بطولة تُعد بالنسبة لها مكسباً كبيراً من الناحية المعنوية والمادية. وفي حال بقيت روسيا تعاند العالم في سورية، فمن الممكن جداً أن يصدر قرار عالمي بنقل البطولة إلى دولة أخرى، وهذا ما تخشاه روسيا.
 

ولكي تتفادى روسيا كل ذلك، ستسعى لفرض الهدنة والبدء بمباحثات سلام جدية، فعندئذ ينافس بوتين أعداءه على الساحة الدولية مستغلاً "الوقت الضائع في السياسة الدولية".
 

وتعد تركيا اللاعب الثاني بعد روسيا، ولها مصلحة كبيرة في تنفيذ الاتفاقية وبدء العملية السياسية المقررة في أستانة عاصمة كازاخستان، فهي تريد الخروج من عنق الزجاجة التي حصرتها فيها اللعبة الدولية، فهناك العداء الأمريكي المبطن ومعها الاتحاد الأوروبي، ومساندة حزب الاتحاد الديمقراطي مادياً وعسكرياً، وتشجيعه لإقامة كيان كردي في الشمال السوري، وهذا يشكل خطراً استراتيجياً كبيراً على تركيا، حيث يوجد فيها أكثر من اثني عشر مليون كردي على أراضيها يطمحون لإقامة دولة مستقلة. كما أن تركيا شعرت بالخطر الإيراني الذي يتمدد على حدودها الجنوبية في العراق وسورية، مع معاناتها من قيام روسيا بضغوطات هائلة ضدها منذ إسقاط الطائرة الروسية.

من هنا اختارت تركيا الطريق الأنسب لها، وهو التناغم مع روسيا على أرضية المصلحة الاقتصادية والعداء لأميركا وتهميشها في المنطقة. وقد كسبت تركيا من هذا التناغم أنها أصبحت مع روسيا اللاعبَين الأولَين في الأزمة السورية، وأنها استطاعت، ولو مؤقتاً، أن تقطع الطريق على طموح حزب الاتحاد الديمقراطي بإقامة كيان كردي في الشمال السوري، بعد دخولها مع الجيش الحر إلى جرابلس ثم البدء بالتمدد والتوجه إلى منطقة الباب، وبذلك تكون بددت حلم الميليشيات الكردية للوصول إلى عفرين ثم إلى البحر المتوسط.

نظام الأسد فلا أعتقد أن له رأي يذكر في قبول الهدنة أو رفضها، فعملياً سقط الأسد، ولم يعد له أي قرار على الساحة السورية، فقد تحول في الحلبة إلى مصارع من "وزن الريشة".

أما إيران ومعها حزب الله فيساورها الشكوك نفسها باستحالة هزيمة الثورة السورية، بعد أن طالت الحرب وازداد عدد التوابيت المتجهة إلى إيران يوماً بعد آخر، وهذا ما يجعل الشعب الإيراني يزداد تململاً ونفوراً من هذه الحرب المذهبية التي لا طائل من ورائها.
 

والأمر الثاني والمهم هو تخوّف إيران من قدوم ترمب المعروف بعدائه الشديد لإيران، وقد توعّدها بأنه سيمزق الاتفاق النووي الذي أجرته مع سلفه باراك أوباما، فالاتفاق برأيه قد عزز قدرات إيران بدلاً من إضعافها. وما يجعل "التمزيق" ممكناً هو قيام ترمب بتعيين شخصيات حكومية مشهورة بعدائها لإيران، ومنهم الجنرال المتقاعد جيمس ماتس الذي أصبح وزيراً للدفاع.
 

من هنا ربما تكون إيران مضطرة إلى الموافقة على بنود الاتفاقية وإجراء عملية السلام، بالرغم من أنها تخشى من طرد حزب الله والميليشيات التابعة لها من سورية بحسب ما تشير إليه بعض التقارير الإعلامية من أن بنداً سرياً في الاتفاقية يقضي بإخراج كل المقاتلين الأجانب من سورية، سواء الذين يحاربون إلى جانب الأسد أو ضده.
 

وبما أن الشعب السوري والفصائل المسلحة لا مشكلة لديهم من إخراج الأجانب الذين يقاتلون مع بعض الفصائل الإسلامية المتشددة، ولكن المشكلة تبقى محصورة في إيران وحزب الله، فلو أجبروا على ترحيل ميليشياتهم من سورية، فهذا يعني الخطوة الأولى لهزيمة مشروعهم المذهبي في الوطن العربي.
 

لذلك قد تلجأ إيران وحزب الله للرقص على الحبال المهترئة ووضع الصخور على طريق الاتفاقية، لكن روسيا فيما يبدو بعثت برسالة مهمة إلى إيران، فقبل عدة أيام قام الطيران الروسي بمساندة الهجوم التركي في منطقة الباب، وهذا له دلالتان؛ الأولى تهديد روسي مبطن لإيران لإجبارها على الرضوخ لقرار وقف إطلاق النار، والدلالة الثانية أن روسيا لا تريد إيران أن تكون شريكتها في المستقبل، فهي تريد الجلوس بمفردها على المائدة السورية.
 

روسيا فيما يبدو أجبرت ميليشيا حزب الله على وقف النار قبل الموعد المحدد بساعتين، وهذا قد يكون مؤشراً إلى أن العملية السياسية ستجري بشكل مقبول.

أما نظام الأسد فلا أعتقد أن له رأي يذكر في قبول الهدنة أو رفضها، فعملياً سقط الأسد، ولم يعد له أي قرار على الساحة السورية، فقد تحول في الحلبة إلى مصارع من "وزن الريشة". ولكننا نشير هنا إلى ما ذكره أحد المحللين عن سبب إسراع الأسد بتأييد وقف إطلاق النار، فهو يريد الاستقواء بروسيا لكي لا يكون رهينة لإيران وحزب الله والميليشيات العراقية والأفغانية.

ولو أتينا أخيراً إلى الطرف الأخصّ وهو الشعب السوري والمعارضة السياسية والمسلحة، فقد كان هدفهم الرئيس إسقاط النظام دون قيد أو شرط، لكنهم الآن وافقوا مضطرين على هذه الهدنة التي لا تخلوا من غموض وإبهام، من منطلق أن سورية أُنهكت أرضاً وشعباً ومقاتلين، فالعالم كله وقف ضدها، وساهم في عملية الإبادة، ومع ذلك لا تزال صامدة تفرض إرادتها وحتى شروطها الممكنة على روسيا.
 

وآخر شرط قدمه الناطق باسم وفد الفصائل في أنقرة أسامة أبو زيد بعد الخرق الكبير لوقف إطلاق النار في وادي بردى قبل يومين من دخول العام 2017، حين هدد صراحة بأن عدم وقف الهجوم على وادي بردى قبل الساعة الثامنة من مساء السبت، يعفي الفصائل من التزامها بالهدنة بعد أن فشلت روسيا بالوفاء بالتزاماتها".

وجاء الجواب سريعاً، فروسيا فيما يبدو أجبرت ميليشيا حزب الله على وقف النار قبل الموعد المحدد بساعتين. وهذا قد يكون مؤشراً إلى أن العملية السياسية ستجري بشكل مقبول، مع قناعتنا أن القادم من الأيام سيضع النقاط على الحروف، والطريق طويل، فسورية لن تعود إلى عافيتها بشهور، وإنما بعدد من السنين.