خواطر ألمانية (١) ضربني وبكى سبقني واشتكى

blogs - germany

كثير من القصص والحوادث التي نسمعها من هذا وذاك نتأثر فيها بطريقة ما، وتغلب علينا عواطفنا الجياشة وبدون تفكير نقف بشهامتنا مع الشخص المشتكي وبدون أن ندري ما هي وجهة نظر الطرف الآخر، وبالتالي يأتي الحُكم على الموقف من طرف واحد والجميع يتوقع نفسه إنه أعدل البشر وهو لا يدري إنه ممكن أن يكون قد ظلم وفجر.

في مثل هذه المواقف تستحضرني قصة لعمر بن الخطاب الحاكم العادل: يروى إنه جاء رجل إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقد فُقأت عينه يشتكي من فعل به هذا: وقد أشفق الصحابة -رضوان الله عليهم- على هذا الرجل وتوقعوا أن يحكم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- له ولكن عدل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جعله يقول انظروا لمن فقأ عينه فقد يكون قد فقئت عيناه الاثنتين..! وهذا يرادف مثلا شعبيا متداول "ضربني وبكى سبقني واشتكى".
 

انفتح لي باب التساؤل والبحث عن الحقيقة وعودت نفسي أن أسمع من كل الأطراف حتى لا أقع في خطأ قد وقع فيه الكثيرون حيث أغلقوا عقولهم بالقفل وأضاعوا المفتاح.

ما أود أن أعرضه في عدة خواطر ألمانية أن لا نحكم على شعب كامل من مجرد خبر أو من خلال تصرف واحد أو رواية إنسان، ولكن لا بد من المُتلقي أن يكون ذكياً و يبحث ما بين السطور، وبما أنه قد كثر الحديث عن عنصرية الشعب الألماني في عدد من مناطق في ألمانيا حسب روايات البعض، وعادة ما تكون تصرفات فردية أبرزها حادثة مقتل الصيدلانية مروى الشربيني -رحمها الله-، والتي حصلت في درسيدن عام ٢٠٠٩، وقد تم الحكم على القاتل بالسجن مدى الحياة وهي أقسى عقوبة في ألمانيا، وهذه الحادثة لا تبرر لنا الحكم على أمة كاملة بالعنصرية والعنجهية، وربما الكثير لا يعلم كم الاعتصامات الصامتة بالشموع التي حصلت من ألمان في المناطق الجنوبية ضد هذا الحادثة حيث حملوا لافتات كتب عليها إن القاتل أليكس دبليو فينز لا يمثلنا.
 

خلال أربعة عشر عاما من الاغتراب انفتح لي باب التساؤل والبحث عن الحقيقة من أصحابها وعودت نفسي مع الزمن أن أسمع من كل الأطراف حتى لا أقع في خطأ قد وقع فيه الكثيرون حيث أغلقوا عقولهم بالقفل وأضاعوا المفتاح.
 

بدأت أول القصص عندما كنت في الوطن وقد عاد أحد المغتربين وقد أنتظره أهله لسنوات ليعود بشهادة الطب، ولكنه عاد مع زوجة شقراء وشهادة مهنية تدعى Ausbildung، وعندما سألت والدتي: لماذا لم يعد طبيبا وكل أهل الحارة ينادون جارنا يا أبو الدكتور فلان؟!، ردت والدتي: أهله يقولون إن بروفيسورية الجامعة عُنصريين ويهود ويكرهون العرب والمسلمين ورسبوه وطردوه من الجامعة وهو يقول إن الألمان عنصريين جداً، استغربت واندهشت من الإجابة وقلت لها: ما داموا عنصريين كيف عاد بزوجة ألمانية؟ قالت والدتي بطيبتها: إن خليت بليت..!
 

ولكنني صدقت القصة حالي كحال أهل الحارة وما من أحد ذكر قصة هذا الشاب المسكين ! إلا وأنهال بالشتائم على الشعب الألماني..! و شاءت بي الأقدار واغتربت في أرض الألمان وفي إحدى الصُدف ذكرت قصة ذات الشاب الذي طردته الجامعة بحجة كرهها للعرب والمسلمين لأحدهم، فانفجر ضاحكاً وقال لي: المسلسل الدرامي ذاته لكل فاشل، حسنا لماذا لم أطرد أنا من الجامعة ولماذا لم يطرد زوجك والذي كان في أكثر مدن ألمانيا عُنصرية وفلان وفلان..
 

استرسل قائلاً: هذا الشخص لم يهتم قط في دراسته ولم يلتزم بها وصاحب أصدقاء السوء وكان من رواد السهر وغير ذلك، رسب في أغلب الامتحانات وعندما شعر إنه في خطر حول التخصص من طب إلى إدارة أعمال وكذلك لم يفلح فتم فصله من الجامعة وبالتالي يجب أن يعود إلى بلده ولكنه تزوج من ألمانية وهو يعمل الآن في مكتب والدها المحاسب. استغربت وقلت: يعني الموضوع ليس له علاقة بالعنصرية وكراهية المسلمين؟ قال محتدا: أبدا، فأشكال العنصرية هنا فردية ولا ننكر إنه يوجد بعض أتباع النازية الذين لا يروق لهم أي أجنبي وخصوصا في المناطق الشرقية مثل كيمنتس ودريسدن وساكسن.. وغيرها.

قصة أخرى حصلت معي عندما كنت برفقة إحداهن في إحدى محلات العطور وقد لفتني إن رجل الأمن يلاحقنا وينظر بحذر خصوصا إلى مرافقتي ولم يروقني هذا الحصار فسألت رفيقتي: لماذا يلازمنا كظلنا؟ أنا أزور هذا المحل مِرارا ولم يتصرف هكذا!، قالت لي: هذا عنصري حقير يكره المسلمين!
 

تضايقت فعلا من تصرف رجل الأمن حتى إنني قررت ألا أشتري من هذا المحل مرة أخرى، ولكني ذكرت ما حصل لصديقة لها باع في الغربة فقالت لي: طبعا هي لن تقول لك الصدق وإنها حاولت سرقة زجاجة عطر غالية الثمن ووجدها الأمن في حقيبتها وكنت أنا من ترجم لها في مركز الشرطة، كان موقف مخزيا وعندما سألتها لماذا تصرفت هكذا ؟ نفت عن نفسها التهمة وقالت لا تدري من وضعها في حقيبتها حتى يتهمها ويشوه سمعة المسلمين، فقلت لها لماذا لم تحصل معي أنا مثل هذه المواقف وأنا أزور المحل منذ عشر سنوات!
 

كل إنسان عربي هو سفير لبلده وحضارته في بلاد الاغتراب وكيفما يتصرف سيكون حكم الآخر عليه وعلى شعبه.

استرسلت وقالت: المشكلة يا عزيزتي إن الجميع يسمع ويصدق قصص فردية ولا يبحث عن السبب وأنت أكيد قد سمعتي إن موظف مكتب الأجانب يكره العرب وخصوصا إذا ذهبتِ لتجديد إقامتك فهو غير لطيف أبدا في التعامل وأكيد إن الكثيرين زرعوا في رأسك إنه عنصري حقير ولكن لم يقل لك أحد إنه منذ سنوات شخص عربي يعيش هنا في المنطقة انهال عليه بالضرب والركل وتسبب في دخول هذا الموظف المشفى في حالة ارتجاج بالمخ. عاجلتها قائلة: ربما قد أهانه فاضطر الرجل لضربه؟ قالت لي وهي تبتسم: هذه رواية جاليتنا العربية ولكن رواية الشهود والمراجعين قالوا: السبب هو تأخير معاملته لعدم اكتمال الأوراق كالعادة..
 

الحوادث كثيرة في هذا المجال وتدوينة واحدة لا تكفي لسردها ولكن ما أود ختامه في هذه التدوينة: إن هناك الكثير من القصص والمشاكل التي بدرت عن بعض العرب والمسلمين والتي أدت إلى حدوث بعض التصرفات العنصرية من بعض الألمان والتي يأخذ فيها المشاهد الذي لا يعيش في ألمانيا موقفا عنيفا ضد الألمان، وإطلاق لقب العنصرية عليهم ولكن من عاش بينهم لسنوات سيدرك إن الحقيقة لا بد أن تكون شاملة لكل الأطراف ثم أطلق حكمك كما يرتضيه ضميرك.
 

كل إنسان عربي هو سفير لبلده وحضارته في بلاد الاغتراب وكيفما يتصرف سيكون حكم الآخر عليه وعلى شعبه، فكم شخصية عربية مميزة في ألمانيا حافظت على عروبتها ودينها والتزمت بالقوانين الألمانية، فلم تسرق أو تحتال على القانون أو تتهرب من الضرائب أو تزعج الجيران وما إلى ذلك من أسباب لاقت احتراما وحضورا في الأوساط الألمانية.
يتبع في الخاطرة القادمة