شعار قسم مدونات

وماذا عن صبيان أوباما؟

blogs -شيشان
 
أثار مؤتمر "أهل السنة والجماعة" الذي عقد في عاصمة الشيشان غروزني، في ضيافة الرئيس الشيشاني رمضان قاديروف، جدلا واسعا في صفوف العلماء والكتاب والمثقفين المسلمين، واستنكر كثير منهم البيان الختامي الذي اعتبر الملايين من المسلمين المنتسبين إلى "السلفية" و"الوهابية" خارج أهل السنة والجماعة.
 
قاديروف يستحق لقب صبي بوتين بجدارة، ولا يختلف اثنان في أن استضافته لمؤتمر الشيشان تهدف إلى خدمة سياسات موسكو والمصالح الروسية

كانت معظم المقالات المنشورة في الصحف والمواقع الإخبارية حول هذا الموضوع تنتقد قاديروف الملقب بــ"فتى بوتين المدلل" أو "صبي بوتين"، وتتهمه بإثارة الفتنة في داخل البيت السني والسعي إلى شق صفوف المسلمين، خدمةً لأجندة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
 

أتفق مع من اعتبر مؤتمر الشيشان استغلالا للدين لأغراض سياسية، ورَفَضَ ما صدر منه بشأن تعريف أهل السنة والجماعة، كما أتفق مع من شن هجوما لاذعا على قاديروف لدوره في تنظيم المؤتمر، وأرى أن معظم الانتقادات الموجهة إليه في محلها، بل أعتقد أنه يجب أن يلقى من المسلمين إدانة أقوى لتصرفاته الصبيانية، إلا أني لا أزال أتذكر صورته المؤلمة وهو يخرج مع حاشيته من داخل الكعبة المشرفة، وأتساءل: "كيف تفتح أبواب بيت الله الحرام لمثل هؤلاء؟"
 

قاديروف يستحق لقب "صبي بوتين" بجدارة، ولا يختلف اثنان في أن استضافته لمؤتمر الشيشان تهدف إلى أن تخدم سياسات موسكو والمصالح الروسية. ولكن ماذا عن صبيان أوباما؟ وبماذا يختلف استغلالهم للدين لصالح أجندة الولايات المتحدة عما قام به الرئيس الشيشاني؟ وهل يجوز الأول ويحرم الثاني؟
 

لا يحق أبدا لروسيا وبوتين التدخل في الشؤون الدينية التي تخص المسلمين، ولا تحديد من يدخل في دائرة أهل السنة والجماعة ومن يخرج منها. ولكنه في المقابل لا يحق أيضا للولايات المتحدة وأوباما تصنيف المسلمين كمعتدلين ومتطرفين وفق المصالح الأمريكية ورؤية واشنطن.
 

إن كنا غاضبين على تدخل روسيا في شؤون المسلمين فالولايات المتحدة تتدخل فيها منذ سنين بشكل وقح. وهل نسينا تغيير المناهج الدراسية وإزالة مصطلحات وآيات قرآنية منها، بناء على طلب الإدارة الأمريكية ولعيون بوش؟
 

روسيا ترتكب اليوم في سوريا مجازر مروعة وجرائم حرب، وتقصف طائراتها بيوت المدنيين والمخابز والمستشفيات وقوافل الإغاثة, ولكننا يجب أن لا ننسى أن الولايات المتحدة تشارك في هذه المجازر والجرائم من خلال منع وصول أسلحة متطورة إلى فصائل الثورة يمكن أن تحمي بها الشعب السوري من إجرام الأسد وخامنئي وبوتين، كما لا ننسى أن واشنطن ترفض حتى الآن فرض حظر الطيران وإقامة مناطق آمنة لحماية المدنيين في سوريا.
 

القضايا العقدية والفقهية لا يمكن تناولها ومناقشتها بشكل صحيح في مؤتمرات سياسية تآمريه كالذي عقد في عاصمة الشيشان

كثير من علماء الأمة لا يبشر وضعهم بالخير ولا ترقى اهتماماتهم وتصريحاتهم مستوى التحديات. بل في بعض الأحيان نجد أن وعي عموم المسلمين أعلى بكثير من وعي معظم المحسوبين على العلوم الإسلامية. وهذا يُخرج ذاك من أهل السنة والجماعة، وفلان يخرج علانا من الملة، وكأن الدين ملك أبيهم، كما أن فتاوى في مثل هذه القضايا تصدر عن أصحاب عمائم يمثلون توجهات الحكومات والجهات الرسمية تتغير غالبا مع تقلب سياسات الدول ومواقفها والضغوط التي يتعرضون لها، لأنها فتاوى سياسية بالدرجة الأولى تهدف إلى خدمة هذه الحكومة أو تلك، وتعبئة الشارع وتحريضه للمضي في اتجاه معين.
 

نحن المسلمون بحاجة إلى علماء ربانيين يسيرون على خطى النبي صلى الله عليه وسلم، ويتحلَّون بصفات ورثة الأنبياء والموقعين عن رب العالمين، ولا يخافون في الله لومة لائم. ولسنا بحاجة إلى موظفين لدى الأنظمة القمعية يقومون بلي عنق اللصوص ويؤذون عباد الله من أجل إرضاء الدكتاتوريين.
 

القضايا العقدية والفقهية لا يمكن تناولها ومناقشتها بشكل صحيح في مؤتمرات سياسية تآمريه كالذي عقد في عاصمة الشيشان، كما أن الحكم على الصوفية بأنها تدعم الطغاة والمحتلين، نظرا لطبيعة المشاركة في مؤتمر الشيشان، غير دقيق. بل هناك صوفيون جاهدوا في سبيل الله حق جهاده، كما جاهد أسد القوقاز الإمام شامل رحمه الله ضد الاحتلال الروسي، في مقابل من ينسبون أنفسهم زورا وبهتانا إلى منهج السلف الصالح ثم يدعمون المحتلين وأعوانهم من الظالمين الفاسدين.
 

لسنا مضطرين لمؤتمرات بوتين وأوباما وصبيانهم لمناقشة قضايا المسلمين، بل يمكن أن نناقشها بهدوء في أجواء مناسبة، بعيدا عن التوظيف السياسي. بل الأهم من ذلك، أن ندرك جيدا أن هناك من يجمع في يده ورقة صوفية وأخرى سلفية، ويحرِّك إحداهما أو الأخرى وفقا لحاجته إليها في تنفيذ مشاريعه السياسية، حتى لا نسمح لهؤلاء بأن يضحكوا علينا ويستغفلونا باسم الصوفية أو السلفية أو غيرهما.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.