شعار قسم مدونات

ليلة والذئبان

blogs - wolf

في ليلة من إحدى ليالي الماضي الجميل.. كانت هناك سيدة رائعة الجمال تدعى "أوطان"
كانت عربية الملامح، ينسدل شعرها الأسود على شواطئ البحر الأبيض المتوسط حينا وفوق سحر الصحراء حينا آخر، فيما عيناها السوداويتان يعالجهما حور ينام تحت سحرهما طمع كل ذي طامع عبر الزمن..
 

كانت تكبر هذه الفتاة يوما بعد يوم.. وتكبر معها أحلام ذويها أحبابا وأبناء.. لا أحد يعرف بالضبط عمرها، لكنها كانت تزداد جمالا كلما خرج من رحمها عبقري يرفع اسمها، أو عظيم يحجز في التاريخ المجيد مقعدا.. أو مفكر يحصد لها ميداليات الإعجاب والتقدير حول العالم.. وكثيرون هم من ولدوا من رحمها..
 

يقال إن الجنسية الروحية لهذا الذئب أعجمية وإن كان حديثه عربيا!

لم يكن جمال هذه السيدة هو فقط السبب الرئيسي لتكون محط الأطماع.. بل ورثت خيرات و كنوز في باطن الأرض وعاليها ما جعلها دوما عبر التاريخ كعكة مر عليها غاصبون كثيرون حاولوا اقتطاع حصة منها.. كانوا يتحدثون الفرنسية والإنجليزية والإيطالية وبرعوا في تذويقها مر الآلام.
 

لكنه وفي كل مرة كانت تخرج هذه السيدة أقوى من الأول تنفض الدماء عن وجهها الجميل الذي عكست فيه الشمس ملامح ذهبية وتمسح الغبار عن شعرها الذي أضاء الليل فيه مصابيح قمرية.
 

لم يفلح مرور الزمن أن ينقصها شبابها، ولم يفلح العابرون أن يلتهموا كبرياءها.. تخلصت من طغيانهم جميعا.. تحررت من قسوة الزمن.. تغللت في حضن العنفوان.. وجعلت مخدتها على بطن الحرية..
 

وفي ليلة سوداء غاب عنها القمر.. تسلل ذئبان إلى مراتعها.. إلى داخل ممتلكات تعود لهذه السيدة.. وعاثا فيها فسادا!
 

الذئب الأول بنى وكره على أرض جميلة لم تكن يوما له! ولن تكون أبدا وإن ظن غير ذلك واهما.. بنى وكره مثل لص استعمر بيتا بقتل من فيه وتشريدهم بين القبور وشتات الأرض.. ومد أذرعه كأخطبوط يمينا وشمالا فوق الأرض وتحت الأرض يدمر، يهجر، يقتل، ويسرق، يزيف تاريخا ويلفق آخر.. وكل ذلك على مرأى ومسمع من صاحبة هذه الأرض وقد أدماها هذا الخنجر الذي غرسه الذئب الأول في قلبها عبر استجلاب المتآمرين من كل حدب وصوب!
 

كان ما فعله هذا الذئب في أرض هذه السيدة تعجز الأقلام عن تلخيصها بكلمات.. لكنه كان فظيعا مؤلما.. وباتت هذه السيدة مقطعة الأوصال تعتريها الحيرة كيف تسترد أرضا هي لها وسماء لم تكن يوما لغيرها..
 

الذئب الثاني كان أشد إيلاما لها، يقال إنه ترعرع منذ الصغر في بساتينها، ولم تتخيل يوما أنه سينقض عليها

ولكن مصيبتها لم تقف هنا! بل كان الذئب الثاني أشد إيلاما لها، يقال إنه ترعرع منذ الصغر في بساتينها، ولم تتخيل يوما أنه سينقض عليها! وبعيدا عما أشيع أن الذئبين أكلا يوما معا في نفس صحن الإرهاب أو على الأقل الذئب الأول كان له السلطة على الثاني ويخضعه لأهوائه أو حلفائه! وأن هناك رابطا خفيا بينهما.. إلا أن الذئب الثاني لم يكن فعله بالهين!

اختار خمسة من أجمل بقاع الأراضي العربية التي كانت تفتخر بها هذه السيدة.. ونصب نفسه ملكا عليها.. بالانقلاب تارة.. والتوريث تارة أخرى!
 

تغييب الآخر وحب العرش كان القاسم المشترك فيها جميعا.. كان الذئب خفيا داخل كل من امتلك زمام هذه الأراضي المغتصبة.. سلاحه البيادة ، وعدوه الديموقراطية.. قتل البراعم في أكمامها، أدمى الورود على الأغصان، كتم أنفاس الرياحين داخل السجون..
 

هي ليلة غاب عنها وجه الحرية، جسد الشرف، وقلب الكرامة.. هي ليلة تحكم بسوادها ذئبان..
 

الأرض التي احتلها الذئب الأول اسمها كالشمس، لم ولن يتغير، تدعى فلسطين.. أما الذئب الثاني فكان بأرواح عدة كل روح تسكن داخل من يمعن قتلا وظلما في بلاد عربية.. مصر، سوريا، العراق، اليمن، وليبيا..
 

يقال إن الجنسية الروحية لهذا الذئب أعجمية وإن كان حديثه عربيا! ومنهم من يقول إن هواه تنفس من فرقتنا! وأن أنيابه كانت انقسامنا.. وبغض النظر عن بعض التفاصيل.. فإن هذه الحكاية مستمرة.. البطلة لم يكتب لها حتى اللحظة نهاية.. مازالت حية وإن كانت حزينة.. ما زالت قائمة شامخة وإن كانت مترنحة.. وما زال البحث عن صائدي الذئبين قائما..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.