شعار قسم مدونات

عندما ظَلم الإخوان سيّد قطب

سيد قطب

لا غضاضة فيما ذكره الداعية عصام تليمة في مقاله المنشور في 8/9/2016 تحت عنوان "سيّد قطب والدعوة لعُري الشواطيء" في إشارة إلى دعوة سيّد قطب إلى إطلاق الشواطيء العارية حيث لا فتنة في الجسم العاري على "البلاج" حسب تعبير سيّد قطب في مقاله المنشور في صحيفة (الأهرام) المصرية قبل التحاقه بجماعة الإخوان المسلمين.

 

ولقد اطّلعت بالفعل على هذا المقال لسيّد قبل ثلاثة أعوام وتأكدتُ من مصداقية نشره ونسبته إليه أثناء قيامي ببحث خاصّ – ولدي نسخة من المقال- لكن ربما الجديد أنّ ناشر هذه المعلومة القديمة هو الداعية عصام تليمة المدير السابق لمكتب يوسف القرضاوى وعضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين في تركيا فيما اُعتبر أول اعتراف إخواني بصحة نسبة هذا المقال إلى سيّد قطب كما أوردت صحيفة (اليوم السابع) المصريّة.

نعم، طالب سيّد قطب صراحة بالسماح بالتعريّ على الشواطيء، ومنطقه العقليّ في ذلك أنّ أجسام النساء العارية أقلّ إثارة من تلك المُستترة، فيقول "فلاحظت أنّ (الأجسام) تمرُّ بهم عارية فلا تثير كثيراً من انتباههم، بينما تتسع الحدقات وتتلفت الأعناق إذا خطرت فتاة مستترة، تخفي الكثير وتظهر القليل. وحادثتُهم في ذلك، فصدقوا رأيي".

 

يظنّ البعض أنّ المثالب الموجودة في رموز الفكر الإسلاميّ تعود بالضرورة إلى وجود منقصة في الإسلام فيكون الإنكار أولى وأنجى

قد تشكّل هذه الكلمات حالة صدمة لدى مَنْ يعانون الإنكار العقليّ لحقيقة أنّ سيّد قطب ذات إنسانيّة لمفكّر بشريّ، هؤلاء مُشبعون عاطفياً بكم هائل من الانتصار لمثالية صورة سيّد قطب، فلديهم سيّد حتى قبل انتمائه إلى الفكر الدعوي الإسلاميّ لابدّ أن يكون سيّد قطب صاحب الظلال، والخلل لا يكمن في نقاط التحوّلات الفكريّة لدى سيّد بل في عجز البعض عن امتلاك القدرة على التمييز بين حامل الدين وبين الدين ذاته.

 يظنّ البعض أنّ المثالب الموجودة في رموز الفكر الإسلاميّ تعود بالضرورة إلى وجود منقصة في الإسلام فيكون الإنكار أولى وأنجى. وتتعاظم حالة الإنكار هذه  حتى تصل إلى حدّ التعصّب في حق مفكّر كالأديب سيّد قطب، لأنّه أيقونة الإبداع المضحى بها في ركب الدعوة.

فقد اجتهدت جماعة الإخوان المسلمين على سَبك محنة سيّد قطب في السجن الحربيّ إبّان عهد جمال عبدالنّاصر في قالب العبقرية الإسلامية المنحورة على مشنقة الظلم، لك أن تتصوّر اندفاعات الدمّ في قلبك أثناء قرائتك لظلال القرآن وأنت تعلم بأنّها كلمات كُتبت في المعتقل بأنامل سجين محكوم عليه بالإعدام لا لشيء إلّا لأنّ فكره الإسلامي يهدّد الاستبداد.

مشنقة سيّد قطب كانت سفيرة فكر جماعة الإخوان المسلمين حول العالم لعقود، واختزلت حكاية سيّد حقيقة الصراع ما بين الحقّ والباطل على أسطر أدبيات الإخوان، فلطالما كان لهذه الحكاية بريقها الأبلج ولطالما شدّت إليها مُهج الشباب الشغوف بالحريّة.

لا يُعتقد بأنّ البغية التقليل من شأن النتاج الإسلاميّ لسيّد قطب الفكريّ منه والعلميّ بل على العكس تماماً، فلو لم يكن هذا النتاج أسير التصنيف الإخواني لنالَ فرصته الحقيقية في الحكم عليه بإنصاف و موضوعية، فهذا النتاج لم يكن حصيلة المدرسة الإخوانية بقدر ما كان تيّاراً فكريّاً حضاريّاً للمدرسة الإسلامية الفكريّة في عمومها.

فسيّد هو الكاتب والناقد والأديب والشاعر قبل انضمامه إلى صفوف جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وشهد له طه حسين بأنّه لو اختطّ طريقه في النّقد الأدبيّ لكان سيّد قطب من كبار النقّاد العرب، إلّا أنّ هذا كلّه يغدو بلا قيمة عندما يُنظر إليه من ثقب الإخوانيّ سيّد.

أُلبست طروحات سيّد قطب الفكريّة وخاصة المتعلقة بالنظام السياسيّ ترس وسيف وأُلقي بها في غمار معارك استئصالية

انقض خصوم الإخوان على سيّد قطب انقضاضاً شرساً لإدراكهم بأنّ سيّد هو قاعدة الأمان الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين كانوا يُبرزون معاولهم لدكّ البُنى التحتية للجماعة فخلقوا من سيّد هرماً سريّاً له شيفرته الخاصّة وأجندته العالمية المزروعة في مخططات الشرّ النابعة من حبر قلمه.

وفي المقابل بالغ الإخوان في الدفاع عنه فهو أشبه بالأمثولة المعصومة، كان دفاعهم مقدساً باعتباره دفاعاً عن الجماعة وثوابتها الأصيلة لا عن شخص سيّد، وهنا أُعدم سيّد قطب للمرة الثانية بين مقصلتي الإخوان وخصومهم فهو إمّا الملاك أو الشيطان.

أُلبست طروحات سيّد الفكريّة وخاصّة المتعلقة بالنظام السياسيّ منها ترس وسيف وأُلقي بها في غمار معارك استئصالية، وحتى يومنا هذ لم تُتح لهذه الطروحات الفرصة لتتنفس خارج صناديق زجاجية مُعدّة مُسبقاً لتتماشى مع أجندات الخصم والنصير.

بعد مرور خمسين عاماً على رحيل المفكّر الإسلاميّ البارز سيّد قطب نحن مطالبون بمراجعة حقيقية لنتاجه، فمِنْ حقّ الفكر الإسلاميّ علينا بعد كلّ هذه السنوات أنْ تُدرس الظاهرة المميزة لأثر القرآن الكريم في عقلية الناقد الأدبيّ التي أثمرت " في ظلال القرآن ".

ومِنْ حقّ سيّد علينا أن تؤطر بعض طروحاته وتُستقرأ ضمن خصوصيات المحنة وكروبها الشديدة التي مرّت به، فالقلم القطبيّ منظومة فكريّة راقية وتصل إلى حدّ المنظومة الفلسفية في كثير من الأحيان، مجحف مَنْ اقتضبها وخنقها في أنبوبة حزبيّة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.