دموع مكسيكية

blogs - crying

في مطار مونتريال، جلست انتظر الطائرة التي ستقلني إلى العاصمة المكسيكية، كنت أطالع أخبار العالم على موبايلي حين رفعت رأسي ولمحته..

متوسط القامة، عريض المنكبين، يخفي رأسه داخل قبعة، وعلى يده اليسرى وشم.. لم أرتح لمنظره، ولم أرتح له أكثر وشرطية سوداء ضحمة الجثة ترافقه إلى حيث زملاؤها، تحدثوا إليه بوجوه متجهمة، وأجابهم بوجه أكثر تجهما..
 

هو مجرد مهاجر سري سترحله الشرطة الكندية إلى بلده، هكذا فكرت، أحنيت رأسي أتابع ما كنت أقرأه من أخبار، مرت لحظات وسمعت صوت المضيفة تدعو المسافرين إلى المكسيك الصعود إلى الطائرة.
 

ذهني صوره مجرد مهاجر سري مثير للمشاكل فقط لأنه ضخم الجثة ويضع وشما على ذراعه وكانت شرطية ترافقه

كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحا بتوقيت كندا، وكان مقعدي مجاورا للنافذة، كنت أفكر أننا سنطير فوق الخليج لمدة أربع ساعات ونصف، حين سمعت الطيار يقول "على بركة الله ننطلق".. علقت الجملة في ذهني، شيء ما فيها ذكرني بالطيارين المصريين، ابتسمت، والتفت إلى يساري، لتختفي الابتسامة، كان جاري هو نفسه المكسيكي المهاجر السري الذي طردته كندا من أراضيها.. بحثت في حقيبتي على كتاب أخفي بين كلماته قلقي من جاري.. وكان كتابا عن صدام حسين.
 

حلقت بنا الطائرة عاليا، كنت أقرأ أسطرا من الكتاب، وأدير وجهي إلى النافذة أطل منها على زرقة السماء، وزرقة البحر.. لم أقو على أن ألتفت إلى يساري، فمنظر جاري المكسيكي لم يكن مطمئنا.. لكن حدث ما جعلني مرغمة أن ألتفت إليه.
 

كان يغني.. يغني بصوت عال، استدرت في غضب، فوجدته يضع سماعات على أذنيه، يمسك رأسه بين يديه ويغني بصوت عال.. امتعضت مما اعتبرته إزعاجا، وحين كنت أهم بأن أعود إلى نافذتي بنفس الغضب المكتوم من هذا الجار المزعج، رفع رأسه والتفت إلي.. فصعقت.

كان وجه جاري المكسيكي مبللا بالدموع.. كان يبكي من تحت قبعته، لمحت وجهه أبيض البشرة، وعيناه الضيقتان وهما محمرتان بالدموع، تلك الدموع التي نزلت رقراقا على وجنتيه الممتلئتين.. قطبت حاجبي ألما، دوما كنت أشعر بضعف تجاه الرجال الذين يبكون، الذين يجاهرون بدموعهم في مجتمع لا أدري لم يحرمهم من حق البكاء علنا.
 

حاولت أن أتظاهر أني أنظر إلى مكان آخر وليس إليه، لم أرد أن أحرجه، لكنه تحدث إلي بإنجليزية مكسرة، وبصوت مكسور قال لي "أنا خائف على حبيبتي، ذهبت لزيارة والدتها في المكسيك وكان يفترض أن تعود أمس إلى كندا لكنها لم تعد، أنا ذاهب للبحث عنها، أخشى أن تكون قد اختطفت، أو اصابها أي ضرر"
 

هذه المرة أنا من كان يذرف الدموع، ومن نافذتي، رفعت رأسي إلى السماء، ودعوت الله أن يستعيد جاري المكسيكي حبيبته

بقيت أنظر إليه مذهولة، كانت كلماته تنزل سوطا على ذهني الذي صوره مجرد مهاجر سري مثير للمشاكل فقط لأنه ضخم الجثة ويضع وشما على ذراعه وكانت شرطية ترافقه، لم أفكر أنه وراء هذا الشكل الذي يبدو مريبا، يقبع قلب عاشق، قلب رجل ذرف دموعا خوفا على حبيبته.
 

تمتمت ببضع كلمات مواسية، وأنا أقاوم أن أعتذر له على ما ظننته فيه من سوء، لأجده يقول لي "لا أريد شيئا من هذه الدنيا، كل ما أريده أن أكون مع حبيبتي، في كندا أو في المكسيك، لا يهم، كل ما يهمني أن أكون معها في مكان واحد، فحياتي لا معنى لها بدونها"
 

استجمعت قواي، وضعت يدي على ذراعه ذات الوشم، وقلت له "سوف تجدها، وسوف تكون بخير، وسوف تكونان معا"، ربت على كتفه وقلت "ثق بي".. وابتسمت.. ابتسم، وقال لي "شكرا لك"، ثم أحنى رأسه، وضع السماعات على أذنيه، وبدأ يغني.. هذه المرة لم أنزعج منه، هذه المرة أنا من كان يذرف الدموع، ومن نافذتي، رفعت رأسي إلى السماء، ودعوت الله أن يستعيد جاري المكسيكي حبيبته..