شعار قسم مدونات

الشخصية الافتراضية أسلوب الهروب من الواقع

الشخصية الافتراضية

كنت في أحدى الدورات التدريبية تحت عنوان "استراتيجيات التسويق الرقمي" فطرحت على المتدربين أسئلة ؛ عرف نفسك إلكترونيا ما هي نشاطاتك، أو حساباتك الإلكترونية؟، كم بريد إلكتروني تمتلك؟، كم حسابا على صفحات التواصل الإجتماعي لديك؟

كانت الإجابات متباينة لكن المؤكد أن نسبة تسعون بالمئة كانوا يمتلكون أكثر من ثلاثة "إميلات" وثلاث حسابات عبر صفحات التواصل الاجتماعي على الأقل، هذا طبيعي جدا بعد ظهور العالم الإلكتروني أن يمتلك الإنسان عدة حسابات عبر الفيس بوك وتويتر وانستغرام وسناب شات وغيره، أو يمتلك أكثر من بريد إلكتروني خاصة مع تعدد المهام والأعمال المختلفة والحاجة لذلك أحيانا.

لكن الشيء غير الطبيعي أن يكون لديك عدة شخصيات، وأن تتمتع كل شخصية بسلوكيات مختلفة حسب نوع الحساب أو البريد الإلكتروني الذي تملك أو حسب نوع الأصدقاء والمتابعين في كل حساب أو بريد، نعم هذا حقيقي جدا، أوجد العالم الإلكتروني أو الرقمي في الوقت الحالي، انفصاما حقيقيا في الشخصية الواحدة، عدة شخصيات في شخصية واحدة.

الشخصية الافتراضية تولد في العالم الرقمي وتتصف بسلوكيات مغايرة تماما عن الشخصيته الحقيقية

فظهر ما يسمى بالشخصية الافتراضية، شخصية خاصة لها سلوك معين، يتعامل بها الشخص في أحدى حساباته عبر التواصل الإجتماعي لا يعرفها إلا هو صاحب الشخصية وتتصف هذه الشخصية بسلوكيات مغايرة تماما عن شخصيته الحقيقية، ولا تظهر هذه الشخصية في الواقع وإنما تظهر فقط عبر عالم التواصل الرقمي، تظهر خطورة الشخصية الإفتراضية في ثلاثة أمور:

الأول: ظهور أكثر من شخصية افتراضية لنفس الشخص.

الثاني: ظهور الشخصية الإفتراضية في جميع الفئات العمرية أي عدم اقتصار الظاهرة على جيل معين فكل الفئات العمرية تمتلك شخصيات افتراضية على صفحات التواصل الرقمي وهذا مؤشر خطير جدا.

الثالث: عدم انتباه أصحاب المسؤوليات على وجود هذا النوع من الشخصيات غير الواقعية بالتالي تبقى هذه الشخصية الإفتراضية شخصية سرية لدى الإنسان وقد تستمر معه عمرا طويلا وسنوات عدة، وقد تتفاقهم المشكلة، لتتحول الشخصية الإفتراضية تلك إلى شخصية واقعية سلبية قد تؤذي نفسها وغيرها.

 

والسؤال المطروح هنا ما هي أسباب ظهور الشخصية الافتراضية، وتفشي هذه الظاهرة الخطيرة على الناس والمجتمعات والحاضر والمستقبل.. 

هناك ثلاثة أسباب هامة وهي:

أولا: الرغبة الجامحة للهروب من الواقع الحالي الصعب إلى واقع افتراضي سهل جدا، بسبب عدم قدرة الإنسان على تحقيق مواصفات تلك الشخصية في الواقع بسبب تحديات وصعوبات الواقع، فيقوم بتقمص شخصية افتراضية تعبر عن شخصية يرغب في الوصول إليها ولكنه يفقد القدرة على الوصول إليها، سواء كانت هذه الشخصية المرغوبة سلبية أو ايجابية.

ثانيا: الرغبة في التجربة إذ شكل العالم الرقمي رغبة كبيرة في تجربة هذا العالم والغوص في تفاصيله، والبحث في ثقافته والتواصل مع شخوصه، التجربة في التعرف والاكتشاف، وهذا من أهداف صناع هذا العالم قيام الناس بالتجربة المباشرة.

ثالثا: مجانية العالم الرقمي وعدم وجود أية مسؤولية قانونية، سمح لأي شخص القيام بعمل مجموعة كبيرة من الحسابات في كل مكان، حجم التطبيقات المجانية في جميع المجالات أعطى الفرصة لأي شخص من القيام بالتجربة بكل بساطة.

وتعد الشخصية الافتراضية أخطر ما أظهره العالم الرقمي من أمراض نفسية وشخصية وإجتماعية على العالم، انفصام ما بعده انفصام، أصبح الإنسان لا يعرف من هو بالضبط، في أي شخصية هو اليوم؛ البعد عن الواقع، وضياع وتشتت الأهداف والمسؤوليات، فقدان الرؤية للمستقبل.

انتبه إذا كنت تمتلك شخصية افتراضية انتبه لنفسك جيدا، وانتبه لمن حولك!! أنت تصنع فجوة كبيرة في الواقع وتساهم في فقدان البوصلة نحو الهدف، الشخصية الإفتراضية شخصية سلبية غير واقعية تهدد الناس والأسرة والشخصيات والمجتمع والأمم.

لم أكتب هذه التدوينة كي انتقد أحدا أو أوصف واقعا مؤلما بل كي أضع حلولا عملية للتعامل مع الشخصية الافتراضية بشكل فعال وتجنب الوقوع في هذه الفجوة الخطيرة، ماذا تفعل !! إذا كنت تمتلك شخصية افتراضية أو اكتشفت أحدا يهمك يمتلك شخصية افتراضية، ابدأ فورا بالخطوات الآتية:

1- كن أنت
قالها ديل كارنجي أحد كتاب التنمية البشرية قبل عشرين عام كن أنت ذاتك أنت لا تمثل أحدا ولا تفترض شخصية ما، مثل نفسك الحالية والواقعية كن واقعك أنت شخصية واحدة لها مواصفاتها وميزاتها وعالمها الجميل، أوقف أي شخصية افتراضية لديك وكنت أنت، ابحث عن نفسك جيدا ستجد أشياء جميلة بالتأكيد.

 

مجانية العالم الرقمي وعدم وجود أية مسؤولية قانونية سمح لأي شخص القيام بعمل مجموعة كبيرة من الحسابات في كل مكان و "بناء" شخصية افتراضية

2- نظف عالمك الرقمي
لا تستهين في العالم الرقمي، إنه لعالم خطير حقا أنت وخصوصيتك معرض للاختراق ومشاركة معلوماتك وأسرارك وصورك وملفاتك المختلفة، الخصوصية شيء في غاية الأهمية، اجعل لنفسك حسابا أو حسابين، حسابا شخصيا وحسابا خاصا بالعمل وابدأ حياتك الواقعية.

3- اخلق حالة وعي مستدامة
ذكر نفسك وغيرك دائما بخطورة الشخصية الافتراضية، وأهمية الاهتمام في الواقع والمستقبل كما هو، خلق حالة الوعي لدى الناس أمر مهم جدا ومفروض علينا جميعا.

4- ابدأ التغيير الشخصي
حتى لو كان لديك أهدافا بسيطة أو صغيرة مهما كان نوعها وشكلها، غير أي شيء لا يعجبك، تخلص من العادات السلبية، عمق الأعمال والأفكار الايجابية، اجعل لنفسك أهدافا صغيرة وغيرها وحققها، حقق النتائج، هذه هي الحياة.

5- استمتع في الواقع 
كلنا نعيش نفس الواقع مهما كان، وهو مليئ بالإيجابيات، ابحث عنها، استمتع بالواقع فالله سبحانه وتعالى أكرمنا وأحسن خلقنا، لدينا مزيدا من الأشياء الجميلة فلنستمتع بها.

6- اعمل بجد وابذل الجهد
بدون عمل وجد واجتهاد لن تحقق شيئا وستبقى ساكنا، تلك الشخصية الافتراضية غير الحقيقية، ستشعرك دائما أنك انسانا غير طبيعيا، ابذل مزيدا من الجهد ستشعر في نهاية المطاف أنك أنت، ستشعر بشكل مؤكد بمتعة الإنجاز والتحدي.

العالم لا ينقصه شخصيات افتراضية، عالمنا اليوم يحتاج تغيير الواقع إلى الأفضل، نحتاج أشخاصا أصحاء نفسيا واجتماعيا، أناسا لديهم أهداف وأنجازات، يحققون النتائج، إيجابيون في كل مكان وزمان، يساعدون ذواتهم وغيرهم لعيش واقع جميل وممتع، لا انفصام بعد الآن أهلا بالواقع ومرحبا بالمستقبل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.