وحدة المنهج أم وحدة الأمّة؟

blogs - salafist
تتجاوز جدليّة "المجموعة أم الأمّة" عند العاملين الإسلاميين مستوى العمل الفكريّ في كثيرٍ من الأحيان، ممّا يجعل الفصل بينهما مستحيلاً عند بعضهم، بل إنّ جملةً من الفصائل العسكريّة في بلاد الشام ترى أنّ وحدة الأمّة لا يمكن أن تأتي إلا من خلال فوهة بندقيّتهم دون غيرهم من الفصائل، ويحصرون الأمّة فيهم وفيمن يعاونهم!
نظريًّا؛ يتّفقون على أنّ وحدة الأمّة أعلى وأهمّ من وحدة الانتماء إلى المنهج والحزب والمجموعة والفكر؛ فيتغنون جميعًا بالوحدة، ولا يغيب ذكر محاسنها عن مجالسهم ومقالاتهم.
نظريًّا؛ يذمّون العامل لحزبه وجماعتِهِ (وفصيله العسكريّ)، ويقولون إنّ تقديم مصلحة المنهج وأتباعِهِ على مصلحة الأمّة يُناقضُ مفهوم وحدة الأمّة!
حين تجدُ من يُقدّم مصلحة جماعتِهِ أو أتباع منهجِهِ فوق مصلحة أمّته، فاعلم أنّه يظنّ نفسَهُ يمثل الأمّة وأنّ من سواه خارجٌ عن الأمّة بعيدٌ عن الانتماء إليها.

لكنّ الواقع العمليّ لكثيرٍ من الجماعات الإسلاميّة يُغايرُ التنظير، فكم من جماعةٍ نسيت الأمّةَ في مناهجها، وغيّبت هموم المسلمين عن أتباعها، وكم من جماعةٍ تنفق الملايين حين تكون المصلحة لها، وتُحجم عن القطمير حين يكون العمل للأمّة، كم من جماعة (إسلاميّة) رفعت شعارات العمل القطريّ (والوطنيّ)، ونأت بنظرها عن حاجات الأمّة في كلّ أقطار الأرض !

الجماعات الإسلاميّة مدعوّة اليوم إلى مراجعة انتمائها للأمّة، لتُعيدَ هذا الانتماء إلى الصدارة، ولينافس هذا الانتماءُ الانتماءَ إلى الأوطان والأعراق فضلاً عن الانتماء إلى الجماعات والأحزاب.
حين تجدُ من يُقدّم مصلحة جماعتِهِ أو أتباع منهجِهِ فوق مصلحة أمّته فاعلم أنّه يظنّ نفسَهُ يمثل الأمّة، وأنّ من سواه خارجٌ عن الأمّة، بعيدٌ عن الانتماء إليها.
 
هذه الجدليّة منبعها الزعم أنّ العمل (للمجموعة) دائمًا هو عملٌ للأمّة، أم أنّ العمل للأمّة تختلف آليّاته وبرامجُهُ؟ وهل العمل للمجموعة يُنتج عملاً للأمّة؟ أم أنّ العمل للمجموعة لا يُمكن أن ينتج عنه مصلحةٌ للـ(أمّة)!
الأمة كيان مختلف عن كيان أي مجموعة منها، بل هذه الكيانات كلها لا تعدو أن تكون أجزاء في جسد الأمة الواسع، ونظرتها إلى مستقبل الأمة نظرة مجتزأة غير كاملة غالبًا، فالصورة الكاملة تكوّنها المجموعات، والجماعات والمناهج الفكريّة والسياسيّة كلّها.
 
لكنّ من المهمّ ملاحظة أنّ العمل لمنهجٍ أو لحزبٍ لتحقيق مصلحةٍ للأمّةِ من خلالِهِ ليس مناقضًا لمفهوم وحدة الأمّة ! ما دام نابعًا من منظار المصلحة العامّة للأمّة، ومنطلقًا من الأهداف المشتركة، غير قاصرٍ على الأطر الخاصّة بالعاملين.

من الواجب على المجموعات الإسلاميّة معالجة أسباب تخاذلها عن تبنّي مشروع الأمّة وخطاب الأمّة والانعتاق من القطريّة المقيتة والمنهجيّة السقيمة.

بل إنّ أدنى مراتب الوحدة: العملَ الجماعيَّ مع جماعةٍ من المسلمين ليتحقّقَ من خلالها التعاونُ على البرّ والتقوى، ولتتأكّدَ معاني الوحدة بين مجموعةٍ من الأفراد العاملين للإسلام، فيتحقّق التعاون الكامل مع الأمّة كلّها.

تُحجمُ كثيرٌ من المجموعات الإسلاميّة عن إثارةِ هموم الأمّة في صفوف أتباعها، ويُمكن أن يُعزى ذلك لعدد من الأسباب؛ من أبرزها:

الأوّل: أنّ هموم الأمّة أكبر من هموم الأوطان، فتشعر المجموعة أنّ هذا أكبر من حجمها وإمكاناتها فلا تٌقحم نفسها فيه.
الثاني: أنّ بعض المجموعات تخشى أن تستحوذ هموم الأمّة على اهتمام أتباعها، فتفقد القضايا المحليّة بريقها.
الثالث: استغراق الهمّ (الخاص) أوقات المجموعة وإمكاناتها.

وهذه الأسباب كلّها موهومة في ميزان النقد الحقيقيّ، ومن الواجب على المجموعات الإسلاميّة معالجة أسباب تخاذلها عن تبنّي مشروع الأمّة، وخطاب الأمّة، والانعتاق من القطريّة المقيتة، والمنهجيّة السقيمة!