شعار قسم مدونات

على عرفة لم يرتعش قلبه

توافد الحجيج على جبل عرفات
الحجيج على جبل عرفات (الجزيرة)
كان شغوفاً بحياكة الأمنيات ينثرها يُقلّبها ثمّ يصطفي الوعر منها ليلتحفها كلّما عجز النّعاس عن إقناعه بالنوم، تتعثر خطاه على اليابسة وعدّاء ماهر فوق الغمام التي تنتظره وترقبُ عدوه لتدّخر بعضاً من خفقات قلبه إذا الرياح أخلفت وعدها للسحاب.

 

نكث الغدُ العهود وجاء مثقلاً بنوافذ مكسورة وشوارع مهجورة والكثير من الركام

يتوكّأ على سجادة تسبيح لم تخذله ويرتدي المشاعرطوعاً بل ترتديه، أصدقاؤه لا يعرفون تقاسيم وجهه لكنّهم يحفظون تفاصيل مساحات أكتافه فعليها بكوا وهمسوا ومنها صعدوا، كان جلّ رهانه على المستقبل وضحكات الأطفال في جعبة الأمل، يُعبّد الطريق للغد ويشعل كلّ المصابيح على جانبي الطريق يخشى أن يتوه الغد، غلّق للحزن تسعمائة وتسعة وتسعين باباً وغفل عن باب أخير، وفي غمضة عين تسلّل الألم عبر باب الظلم..

المرة الأولى التي تشرق فيها الشمس دون نهار، تفرّقَ النورُ جاهداً ليجد بين دخان القنابل ثقباً يريد أن يضيء جبهةً مُمدّدة على خشب الكفن لعلّهم يبصرون أنّها جبهة طفل لم يتجاوز العامين، نكث الغدُ العهود وجاء مثقلاً بنوافذ مكسورة وشوارع مهجورة والكثير من الركام، شابَ الجمالُ على ضفتي النهر برماد أغصانٍ احترقت فوهبت خصال شعره خيوطاً فضيّة ليست وقاراً بل باهتة كندبة زمن تنكّرت لها المرآة، سخا الألم وأنفق عائدات الأنين على فؤاده، يا إلهي رُدّني إلى الأمس..

هاهو يطوف بالكعبة سبعاً ، ويطوف عطرُ الأمّهات مِن حوله يَطرقُ سَمعَه بصوت أمّه تؤكد له أن يحجز لها هذا العام لأداء فريضة الحج بقي صوتها معلّقاً في سمّاعة الهاتف وبقي الخط مشغولاً في المخيم المحاصر، صلّى خلف مقام إبراهيم عليه السلام اثنتين همس في السجود مكرراً "ستجدني إن شاء الله صابراً".. "ستجدني إن شاء الله صابراً"، بين الصفا والمروة عجبت الأرض لِملمس قدميه العاريتين كومة من التعب تحفظ طرق كل المقابر مبلّلة بقطرات الدّم الهاربة من النعوش..

دنا المغيب وعلا مِن حوله النشيج، أمّا هو فتأهّب واقفاً يربّتُ قلبه: أيا صاح اِسترح، لم تخفق عبراته ولم تصطكّ يداه

تهندم الفجر لاستقبال شمس التاسع من ذي الحجة وطُلب النسيم فجاء على عجل وتهيّأ الفضاء على وسعه وافترشت الطيور صدى حشود الحجيج، كان كلّما اقترب مِن عرفة خفّ سمعه وانسلّ الخريف يتبعه الشتاء من تجاعيد وجهه.

وبالقرب من شجيرة تستظلُّ به أكثر ممّا يستظلُّ بها استقرّت رحاله، يبثُّ حنينه جرعات تحتضنها الزفرات .. لك الحمد على ما فات، ومهما باغتتني الحسراتُ لك الحمد، وحين تلقف أحبابي النائباتُ لك الحمد، لم يرددّها لحظات بل شرع يشدوها لساعات.. لك الحمد.

دنا المغيب وعلا مِن حوله النشيج أمّا هو فتأهّب واقفاً يربّتُ قلبه: أيا صاح اِسترح، لا يحتاج أن يجزع في شكواه أو يبرّر دعواه لم تخفق عبراته ولم تصطكّ يداه، عقد هدنه مع الوجل ألّا يهزمه في هذه اللحظة بالذّات، قالها في رصانة حكيم وتأدّب عالم وثقة العابد: مليكي ومولاي عدلك يارب.. مليكي ومولاي عدلك يارب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.