تصبحون على وطن

يَحْمِلُونَ ما تبقى مِنْ أغراضِهم، وذكرياتِهم، وأحلامهم التي غادرتْهُم منذُ وقتٍ طويل، ويُنفِقُونَ ما تبقى مِنْ مُدخراتِهم حتى يرحلوا عن وَطَنٍ لم يَكُنْ إلا وَطَنَهُمْ، والذي لم يَعُدْ لَهُم فيه مُتسعٌ للحُلمِ، ليتحولوا إلى لاجئيّن لا أسماء، أو أعمارَ لهم ويُصبِحُونَ مُجردَ أرقامٍ تَتَوزعُ على الأحياءِ والأموات منهم، لتصبح قِصَتَهُمْ تتصدرُ العناوينَ الرئيسيّةَ في الصُحفِ، ونشرات الأخبار… إنّها بِبساطَةٍ قصةُ اللجوء السوريّ.

تَتَنوعُ القِصَصُ المأساويّة للاجئيّنِ السوريين، والتي لا تَخطرُ على البالِ، وكأنّ هذا السيناريو المُؤلم لا يُريدُ إلا أنّ يحولَ آخر ما تبقى من أملٍ عندهم إلى كَفَنٍ يفقدُ بياضَهُ، ليصبح كيسًا للجُثثِ الميتة التي تحملُ أرقامًا مُجردةً مِنَ الأسماء، والتي لم يَحْلُم أصحابُها إلا بذلك الغدِ المُشرق الذي لم يأتِ بعد.

مَضَى عامٌ كاملٌ عندما شاهدَ جميعُ سُكانِ العالم صُورَةَ الطفل السوريّ إيلان، وهو مُسْتلقٍ على ساحلِ البحر بعد أنّ قَذَفتهُ أَمْوَاجُ البحر الأبيض المُتوسط التي لم ترحم ضَعفَهُ، وعدم قُدرتِهِ على مُواجهتِها ليستسلم لها، ويُغادرَ هذا العالم الذي لم يَسْتوعِبَ طُفُولته، ولم يحترم المأساة التي يُعانيها، وظلَّ إيلان مُستلقٍ على وَجهِهِ يُعطي الجميع ظَهرَهُ كما (حنظلة) الذي خَذَلهُ العالمُ في الماضي، وما زالَ حنظلة إلى الآن لا يُريدُ أنّ يلتفتَ لمرةٍ واحدةٍ فقط.

صمتُ عُمرانَ كان صمتًا استثنائيًا لا يُشبِهُ أيَّ صَمتٍ عادي، صمتٌ بألفِ كلمة وألف صوت، وألف صورةٍ لآلافٍ من عُمرانَ وَدَعوا الحياةَ تحت الأنقاض.

إنّ مرارةَ اللجوء لا تقلُّ أيضًا عن مرارةِ البقاء في وطنٍ أَغلقَ كُلَ الأبواب أمام اللاجئيّن، وجَعَلَهُم يَعيشونَ ضمنَ بقايا منازلٍ كانت في يومٍ ما منازلاً لهم، ولا تغيبُ عن مُخيلتيّ صورةُ الطفلِ عُمران، وهو ينظرُ صامتًا لنا نحنُ المُشاهِديّنَ في منازلِنا، وإلى الذين وَقَفوا ليُصوروا طُفُولَتَه التي ضاعتْ بين رَمَادِ الحرب، ورُكَامِ منزلِهِ، وكان صمتُ عُمرانَ صمتًا استثنائيًا لا يُشبِهُ أيَّ صَمتٍ عادي، هو صمتٌ بألفِ كلمة، وألف صوت، وألف صورةٍ لآلافٍ من عُمرانَ وَدَعوا الحياةَ تحت الأنقاض، أو غرقًا في المياه، أو تجمدًا، أو حرقًا في مكانٍ ما من هذا العالم الذي لم يرحم ضعفهم أبدًا.

تُشيرُ الإحصاءاتُ العامة للأُمَمِ المُتحدة أنَّ عددَ اللاجئيّنَ السوريينَ الذين غَرِقُوا في البحرِ وَصَلَ إلى أكثرِ مِنْ أربعةِ آلاف لاجئٍ مِنْ مُخْتَلَفِ الفِئَاتِ العُمرية، وأيضًا يُشيرُ المرصدُ السوريّ لحُقُوقِ الإنسان إلى أنّ عددَ القتلى من المدنيين وصلَ لأكثرِ مِنْ أربعةِ آلاف سوريّ خلال شهر آب (أغسطس) الماضي فقط، وهذه الأعداد ليستْ إلا مُجردَ أرقامٍ تمكنوا من إحصائها، ومِنَ المُؤكد تُوجدُ الكثيرُ، والكثيرُ مِنَ الأرقامِ الأُخرىَ مَجْهُولَة الهُوية، والتي رحلتْ وما زالتْ مأساةُ اللجوءِ تَزْدادُ تَدْرِيجيًا كُلَ يَوم.

بعد مُتابعتي لتلك الإحصاءات السابقة، وغيرها الكثير مِنَ الإحصاءات الأُخرى، خطرتْ على باليَّ العَديدُ مِنَ الأسئلة، ومنها: ما ذَنْبُ أُولَئِكَ المَدنيين ليموتوا هكذا؟، أذنبهم هو الحُلُم فقط، أو ذَنبُهُمْ مُجَرَدُ أُمْنِيَةٍ بَسيطَةٍ ليستْ إلا أنّ يَعيشوا حياةً مُسالمةً، وبعيدة عن الألمِ، والحُزنِ، والقهر.

وما هي الجريمةُ التي ارتكبها الأطفالُ حتى تغطيهم الأنقاض؟، ويتم إخراجُهُمْ مِنْ تحتها شِبه جُثَثٍ صامِتة، وما جَرِيمَتُهُم ليغرقوا في البحرِ، وهُم لا يريدون أي شيءٍ مِنْ هذا العالم، إلا أنّ يَشْعُروا بِطُفُولتِهم التي سُرقتْ منهم بين القصف، وفوهة البندقية، ومياه البحر.

أيها اللاجئون السوريون في كُلِ مكانٍ على هذه الأرض يا مَنْ تبقى فيكُمْ الأملُ يَنْبِضُ في كُل يوم، وأيَها الأطفالُ الذين تعيشون حرمان الحياة، وحرمان التعليم، وحرمان الحصول على مأوى من بُرودةِ الشتاء، وحرارة الصيف، وحرمان الطفولة التي غادرتكم مُبكرًا، أقولُ لكم جميعًا كما قالَ الشاعرُ محمود درويش في ماضٍ لا يَخْتَلِفُ كَثيرًا عن هذا الواقع، إلا بتغييرٍ في الشخصيات، والأماكن، والأحداث… تصبحون على وطن.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قالت واشنطن تايمز إن باراك أوباما جاء للرئاسة ومنطقة الشرق الأوسط تعيش في فوضى، لكنه سيترك منصبه وفوضى المنطقة أكثر تفاقما وتهدد بالاتساع إلى أماكن لا أحد يستطيع التنبؤ بها.

الأكثر قراءة