تسجيل متواصل

blogs - socialmedia- photo
نعيش في زمن فريد تسجل البشرية فيه كل لحظاتها، يقوم العالم بدقيقة واحدة يتصوير الفيديو أكثر من أي وقت مضى.

فلنتوقف لحظة

هل سيعزز الأمر من القدرة على تذكر التجارب أو أن هذه الذاكرة سوف تكون انتقائية و محجوبة بضباب لا نرى من خلاله سوى ما تسجله عدسات آلات التصوير؟

ليوتيوب وحده أكثر من مليار مستخدم يقومون بتصوير و تحميل أكثر من ثلاث مئة ساعة من الفيديو في الدقيقة الواحدة. الأمر كفيل بخلق تسعة الاف ساعة جديدة من المحتوى الإعلامي على الموقع خلال النصف ساعة القادمة. أكثر من عدد الساعات التي يضمها عام كامل، أي ثمانية الاف و سبع مئة و خمسة و ستون ساعة!

يوجد حاليا على شبكة الانترنت كمية من الفيديو تفوق ما يمكن أن تشاهده في حياة كاملة، حتى إن لم تقم بأي فعل آخر الى حين لفظ أنفساك الأخيرة.

حياة أطفالنا و أحفادنا أصبحت موثقة منذ اللحظة التي تعلن فيها الأمهات عن حملهن، أضحى من الممكن أن يحظى الأطفال بتسجيل كامل لحياتهم للذكرى. يبدو الأمر أشبه ببرنامج واقعي لا ينتهي. و لا زلنا لا نفهم عميقا تأثير توثيق حياتنا بهذا الشكل على كيفية تذكرنا لأحداثها.

هل سيعزز الأمر من القدرة على تذكر التجارب أو أن هذه الذاكرة سوف تكون انتقائية و محجوبة بضباب لا نرى من خلاله سوى ما تسجله عدسات آلات التصوير؟ الأمر الوحيد المؤكد هو أن تأثير ما سيفعل فعله.

كل هذه المواد و تحديدا ما يرفع على الانترنت سيكون لها دور فاعل على مستوى الوصول و التواصل. تجعل العالم أصغر. السكان حول الأرض شاركوا جاستن بيبر تجاربا عديدة، سمعوا شخير دبب البندا، شاهدوا و أبدعوا آلاف النسج من رقصات الهارلم شايك و غان غام ستايل، ناهيك عن مشاهد القتل و الدمار و الجوع التي لم تعد تحصى.

ربما يأتي يوم و تقوم حضارة قادمة بنبش أرشيفنا و تقييم ثقافتنا وفق ما رفعناه على الانترنت. لا مفر عندها من التساؤل و القلق مما ستقوله مقاطع الفيديو عنا

كميات كبيرة من الفيديو تعد و تنشر، تُختبر تجاربها و تُشارَك. الكثير منها يخترق الثقافات و الحضارات المختلفة و تصبح من دون أدنى شك مكونا يتشارك فيه الوعي الجمعي بشكل لم يكن ممكنا حتى الأمس القريب.

من هذا المنطلق سنشهد ارتفاعا سريعا بشهرة أشخاص، شهرة تستند على شعبية الانترنت و تتفوق على قدرة صناع قرار أقوياء يتحكمون بالقنوات التلفزيونية و وسائل الاعلام التقليدية و حتى شركات الانتاج و ادارة نجوم الفن و السياسة.

محتوى الفيديو في ازدياد مستمر كما و نوعا، لكن جودة المحتوى الى انحدار خطير.
المتابع الجيد يعلم أن الجودة تكمن في فني التصوير و المونتاج لخلق مضمون مهذب، ممتع، منطقي و متساسل. لدى منتجي الفيديو اعتقاد قديم أن المحتوى الإعلامي سلسلة من اللقطات التتابعية، تجتمع وفق منطق محدد لتكون فيلما أو برنامجا متكاملا.

تشعب المحتوى و نوعه أصبحا اليوم محط جدل مفتوح على تساؤلات كثيرة. وواقع هذه الموجة بدوره يفرض على المتابعين التفكير عميقا. ما هو مستقبل كل هذا المحتوى؟ أين سيستقر و يخزن و ما هي المساحة التي سوف يحتلها و لأي زمن سيحيا؟

ربما يأتي يوم و تقوم حضارة قادمة بنبش أرشيفنا و تقييم ثقافتنا وفق ما رفعناه على الانترنت. لا مفر عندها من التساؤل و القلق مما ستقوله مقاطع الفيديو عنا.