شعار قسم مدونات

الأنظمة السياسية ومصالح الشعوب وقضاياها

Syrians shout "freedom" during a protest at Dael region, near the city of Deraa, southern Syria March 25, 2011. Protests spread across Syria on Friday, challenging the rule of the Assad family after their forces killed dozens of demonstrators in the south. In the southern city of Deraa, which has been in revolt for a week, gunfire and tear gas scattered a crowd of thousands after people lit a fire under a statue of late president Hafez al-Assad, whose son Bashar has rul

تتعدد أنواع وأشكال الأنظمة السياسية وتتفاوت في مدى شرعية وجودها وتتفاوت أيضا أسباب اكتسابها لشرعيتها وهذا بحث آخر. وكذلك تتعدد وتختلف قضايا الشعوب ومصالحها فمنها ما يتعلق بالأمن المجتمعي وأمن المواطن داخل البلاد وخارجها، ومنها ما يهتم بالقضايا الاقتصادية وقضايا التعليم والأديان والقضايا الوطنية كالأراضي المحتلة أو التبعية والسيادة وغيرها.

ما يهمني في هذا المقال هو الحديث عن ما تريده الشعوب من الأنظمة ومدى قدرة هذه الأنظمة على فصل قضايا ومصالح الشعوب عن هاجس الأمن والاستمرار في السلطة، وهو الأمر الذي لم ينجح فيه أي نظام حكم عربي في المائة سنة الأخيرة، مما كان سببا مباشرا للثورات.

بالتأكيد النزاعات على السلطة قائمة خصوصا حين تكون الأنظمة غير شرعية أو لا تحظى بدعم شعوبها، وهذا يتطلب من الأنظمة ملاحقة معارضيها مع التأكيد طبعا على عدم شرعية هذا الفعل.

ومثل هذا الهاجس الأمني يجعل الأنظمة تنغلق وتجعل الإجراءات الأمنية على الحدود بين البلدان ضربا من العذابات والأشغال الشاقة.

فمن أجل بعض المعارضين لهذا النظام أو ذاك تتحمل كل الشعوب هذه العذابات حتى يصبح في بعض الأحيان إدخال شاحنة مواد غذائية يحتاج لأسابيع على الحدود وكثير من المعاملات الورقية والروتين بين بلد عربي وآخر. وربما تصل الشحنات فاسدة للبلد المقصود، وهذا كثيرا مايحدث.

أي نزاع بين نظامين سياسيين تكون نتيجته الطبيعية إغلاق الحدود بينهما وإقامة الأسلاك الشائكة دون مراعاة لمصالح الشعوب

قس على ذلك كل المعاملات التجارية والمواد الأولية والصناعية ورغيف الخبز، مما يجعل من المستحيل أن تعتمد صناعة في بلد على مادة أولية في بلد آخر أو ترتبط صناعة بصناعة في بلد آخر لتكمّل إحداهما أو لترفد إحداهما الأخرى.

وأي نزاع بين نظامين سياسيين تكون نتيجته الطبيعية إغلاق الحدود بينهما وإقامة الأسلاك الشائكة والأسوار دون أية مراعاة لمصالح الشعوب.

وكذلك في المسألة التعليمية والثقافية والمطبوعات، فإن أي نزاع بين نظامين يمنع وصول أية مطبوعات أو أي تواصل علمي أو ثقافي بين البلدين دون أية مراعاة لمصالح المجتمع في البلدين.

أما في الواقع السياسي فحدث ولا حرج، فكمثال قد يكون المجتمع نبضه مع جهة سياسية أو قيادة ما خارج البلاد أو داخلها، في شكل من أشكال التعاطف الوجداني فقط، بينما تتعارض السلطة مع تلك الجهة فتبدأ قصة التضييق والملاحقة على كل من يؤيد تلك الجهة مع أنها جهة مدنية وتأييدهم لها مسألة شعور قومي أو ديني أو أخلاقي وليست فيه أية معارضة للنظام السياسي ولا تشكل أي خطر أمني.

وضيق الأفق هذا يؤدي للتعسف والاعتقالات فيصبح النظام السياسي وصيا حتى على ضمير المجتمع. وتبدأ قصة التطويع بالقوة فتؤدي للكوارث والويلات والسقوط الأخلاقي للأنظمة.

وكذلك يصبح كل من يقول وجهة نظر تخالف وجهة نظر النظام السياسي في أية قضية وطنية هو عدو تجب محاربته، مع أن الأنظمة تقوم بكثير من الأعمال التي تعارض إرادة شعوبها وتصل لدرجة أن تبني بعض علاقاتها مع أعداء شعوبها. وتتجاوز الشعوب هذه الأفعال لأسباب مختلفة لكن الأنظمة لاتفعل.

وأيضا البنى التحتية المعطلة، فمثلا عام 1918 انطلق الخط الحديدي الحجازي الذي يربط عشرات المدن العربية من حلب إلى دمشق إلى درعا والحمة والقدس وعمان وحتى المدينة المنورة وغيرها.

وبعد قيام سايكس-بيكو تم إنهاء المشروع، وهو مشروع يفترض أنه لخدمة الشعوب ولا يجب أن يخضع للعلاقات السياسية بين الأنظمة الحاكمة.

إن نعدام الطرق البرية أو ضآلتها بين البلدان وعدم وجود نقل عام كالقطارات قادر عل المساهمة في نهوض الصناعة والتجارة والتبادل في مصلحة بقاء النظام السياسي وهاجسه الأمني.

وكذلك الحصول على التأشيرات بين بلد وآخر بأسلوب شديد التعقيد يعود للهاجس الأمني فيتضرر ملايين البشر بسبب بضع عشرات من معارضي السلطة.

والأراضي بور من محيطها إلى خليجها مع حاجة الشعوب للزراعة والغذاء والعمران والصناعة والتطوير، وكل ذلك بسبب السلطات السياسية.

أعتقد أن بقاء أي نظام سياسي مرتبط بتخليه عن عنجهية التسلط والقمع ونظرة استملاك البلاد والعباد

بينما هناك قوة بشرية عربية هائلة قادرة على إحيائها بالزراعة والصناعة والتكامل التجاري لو تم تغاضي الأنظمة عن بعض ترفها الأمني وفصل مصالح شعوبها وقضاياها عن هاجس السلطة.

ومما سبق يمكن استخلاص ما يلي:

أن أهم أسباب تخلف منطقتنا العربية من كل النواحي وأسباب القلاقل والثورات والحروب والقصور الحضاري والعسكري تتحملها الأنظمة السياسية.

أن الأنظمة ارتكبت ولازالت ترتكب الظلم بحق الشعوب، وجعلت من هاجسها الأمني وخوفها من بعض معارضيها سببا لكبح كل طموحات الشعوب ووقف حركة تقدم وتطور المجتمع ومنعت قيام منظمات مجتمع مدني فاعلة، وربطت كل البلاد بأمن السلطة وقمعت كل صوت ينادي بالإصلاح سواء حمل غصن الزيتون أو الحمام الأبيض.

ومن هنا فإنني أعتقد أن بقاء أي نظام سياسي مرتبط بتخليه عن عنجهية التسلط والقمع ونظرة استملاك البلاد والعباد وعدم اعتبار المواطن مصدرا لدخل السلطة والاتجار به بدل إيجاد الموارد الصناعية والتجارية والزراعية والتخفيف عن كاهل الإنسان والفصل بين استمرار السلطة  وأمنها وبين مصالح الشعوب، والتخلي عن محاولة استخدام السلاح والتكنولوجيا لقمع الشعب والتجسس عليه.

أن هذه الوسائل ستصبح لا قيمة لها وسيصبح كسر حركة الشعوب أمرا مستحيلا، وبقاء أي نظام سياسي مرتبط بالإصلاح الحقيقي والتصالح مع الشعوب وليس بالألاعيب والأقنعة والمناورات التي اعتادوا عليها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.