الغربة كربة.. نعم إنها كذلك

blog-الإغتراب

في يوميات ذاك المغترب يكاد لا يمرُّ يومٌ دون العودة بالحنين إلى أيامٍ مضت، تلك الأيام التي حُفرت في وجدانه كلوحٍ فرعونيٌّ لا يموت.

إِنَّهُ الوطن رقعةٌ من جماد حيّ ممتدّةٌ فوق أرواحنا اعتدنا علوُّها لزمنٍ طويلٍ،هواءٌ تنفسناه فصار تحت جلودنا وماءٌ شربناه صار يمشي في عروقنا، دون أن ندري بأن أعراض الفطام ستهدُّ ذاك الجسد وتضنيه من الذكرى فيما بعد.

إياكَ أن تنجح فأنت تهدِّدُ بذلك فرصهم للنجاح وتنافسهم على مواقعهم في أوطانهم، نعم هي أوطانهم وأنت متطفلٌ لا أكثر

ويحقُّ لذاك المغتربُ التساؤلَ عن سرّ ذاك التعلّق المضني..أهو الإعتياد لا أكثر ولا أقل، أم هو النجاح، العائلة، الإنجاز الذي حققه في الوطن أم هو جميع ذلك.

ترى كم نحتاجُ من الوقت ليتضاءل الحنينُ ويخفف من ثقله على كواهلنا.. لا بشرى وقد أثقلَ كاهلَ كثيرين من قبلنا فرصدوا له الأدبَ والأشعارَ وسيلةً لتخفيف آلام الروحِ أوليس أدب المهجر خيرُ دليل.

وفي رحلةِ ذاك المغترب قد يواجه تعصُّب أهل البلد المستضيف الجديد فتغصُّ الروحُ مرّاتٍ و مرّات ويتكدَّس حنينٌ فوق آخر ويتمنى القلب لو يعود للوراء ليغير قرار الرحيل بقرارٍ آخر كان ربما قد تجنب اجتياز ذاك الإختبار وهيهات لو كان ذلك الخيار في أيدينا من البداية.

ستمرُّ حتما بذاك الإختبار،اختبار عنصرية وكراهية الآخر لك فقط لأنك مختلف، مختلف بالشكل، بالدِّين، بالمظهر، بالعادات، أو بأي شئ لم يكن لك يدٌ فيه لتكتشف بأن في هذا البحرالواسع من البشر أشكالٌ مختلفةٌ من الشرّ لم تعهدها في وطنكَ الصغيرِ الممتدَّ في محيط عدة نقاط، من نقطة بيتك إلى نقطة عملك وبضع نقاط ألفتها قدماك لم يكن هناك آنذاك من نظراتٍ تلاحقك كسوطِ جلاد، نظراتُ استهزاء، استهجان، أو استبعاد.

نعم إنَّها الغربةُ يا صديقي، مهما فعلت فأنت غريب حتى نجاحك فهو يتيم وما الفائدة من النجاح وأنت مختلفٌ عنهم، ينظرون إليكَ بأنك غريب ولا يعلمون بأنك تراهم جميعهم غرباء، وهم لديك كبحرٍ من حيتان وأنت تلك السمكة الصغيرة الضعيفة.

إياكَ أن تنجح فأنت تهدِّدُ بذلك فرصهم للنجاح وتنافسهم على مواقعهم في أوطانهم، نعم هي أوطانهم وأنت متطفلٌ لا أكثر.

ما يزيد على الطين بلَّةٌ و بلَّه هو حسد أقرانك الذي لم ينعم الله عليهم بنقمةِ الإغتراب حتى بأنك غير مؤهل للشكوى

ولا تحسب أن الطريق الآخرسينقذك فإياكَ بالتكاسل والسلبية فأنت بذلك تسرق من جيوبهم لتعيش وتطعم أطفالك من أطباقهم التي تبرعوا بها لدولتهم بأولويةٍ لمتسوليهم هم أولئك الذين يملكون نفس لون بشرتهم ونفس الدم الذي يمشي في عروقهم.. عليك أن تعيش نعم وهو حقٌ صرحت به بلادهم ولكن عليك أن تتقبل أولاً رفضهم لك وتلبس جلد التمساح الذي لا يأبه لهم ولنظراتهم.

لله درَّك أيها المغترب، سواءٌ خرجت مرغماً أو مريداً، عالماً أو غير عالم بلحظة عودتك الميمونة إلى وطنك المسروق، مدركاً أو غير مدرك لضريبة الإغتراب، قادراً أو غير قادر على التجديف بعكس التيار، آملاً أو يائسا من حلم العودة.

فأنت خاضعٌ لضربات المطرقة فالسندان، ما يزيد على الطين بلَّةٌ و بلَّه هو حسد أقرانك الذي لم ينعم الله عليهم بنقمةِ الإغتراب حتى بأنك غير مؤهل للشكوى، بلوكيف تشكو وأنت في ظلّ وأمان براثن الغربة.