لا يعرف الوطن إلا من عرف الغربة

كان الفراق عام ٢٠١١ عندما سافرت من مدينتي حمص لأكمل دراستي في الجامعة الأميركية في بيروت. لم يخطر في بالي ولا للحظة أنّه عليّ أن أودّع كل شارعٍ وكل زاوية لي فيها ذكريات وكل شجرة ياسمين اعتدت أن أشمّها. كان الخروج سريعاً جداً، حيث كان الهمّ الأول والأخير في تلك اللحظات هو الخروج من حمص دون التعرض لرصاص النظام.

الوطن هو تماماً كالأم الحنون التي تحتضن أطفالها وتمنحهم الشعور بالأمان والسكينة.

مرّت الشهور والسنين ولازلت أذكر تلك اللحظات وكأنها حدثت البارحة. يحدّثني الكثير عن حال حمص بعد مرور خمسة سنين على انتفاضة الحرية، عن الدمار الذي حلّ بها، عن شوارعها التي هجرها أهلها هرباً من بطش النظام، عن مدارسها التي أصبحت ملاجئ للنازحين الذين هربوا من أحياءهم المشتعلة. مشاهدٌ لازلت حتى الآن لا أستطيع تخيّلها..

ألم الفراق عن الوطن من أصعب الآلام ومن أشدّها. فمن لا يبكي لفراق الوطن؟ ومن لا يشتاق لأرض وطنه؟ فلو لم يكن الوطن غالياً لهذه الدرجة لما سُمّي بـ"الوطن الأم". فالوطن هو تماماً كالأم الحنون التي تحتضن أطفالها وتمنحهم الشعور بالأمان والسكينة. ومهما سافر الإنسان ومهما دار من بلدانٍ حول العالم، فلن يجد أحنّ من حضن وطنه ولا أدفء منه.

قال تعالى في كتابه الكريم: "ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم" (سورة النساء – الآية ٦٦)

وحين قدم أصيل الغفاري مهاجراً من مكة إلى المدينة، سأله النبي (ص)، فقال له : يا أصيل! كيف عهدت مكة؟، قال: والله عهدتها قد أخصب جنابها , وابيضّت بطحاؤها، وأغدق اذخرها، وأسلت ثمامها ، وأمشّ سلمها، فقال: ويها يا أصيل! دع القلوب تقرّ قرارها.

حتى أنً النّبي (ص) بكى وحزن لفراق مكة، رغب أنّها كانت بحسب وصف القرآن الكريم "وادٍ ليس ذي زرع" إلا أنّها كانت تمثّل له الوطن الأم الذي ولد فيه واللقب الذي كان يُعرف به حيث كان يوصف بالنبي"المكّي". بالرغم من أنّ أهل مكة آذوه كثيراً وجبروه أن يهاجر منها، إلا أنّها ظلّت في قلبه.

ولم تقف الهجرة في وجه نشر الرسالة وتأسيس مركزاً لنشر تلك الرسالة في المدينة المنورة. ولمّا رجع النبي (ص) إلى مكة، دخلها فاتحاً قوياّ حاملاً معه الرسالة وعشرات الآلاف من المسلمين. رغم افتراقه عن مكة واشتياقه لها، إلا أنّ النبي (ص) لم يدع حنينه لأرضه يقف في وجه نشر الرسالة التي كان يحملها. نعم كان الفراق صعباً ولكن العودة إلى مكة فاتحاً كانت تستحقّ كلّ العناء والتضحيات.

فماذا نتعلّمُ من تجربة النبي (ص)؟
نتعلّمُ أنّ الفراق عن الوطن لا يعني بالضرورة التوقف عن العمل والإنتاج وفقدان الأمل. نتعلّمُ أنّ علمنا وعملنا وجهودنا لا بدّ أن يصل تأثيرها إلى الوطن. نتعلّم أنّ الهجرة ليست النهاية وأنّ السفر لا يعني الانشقاق عن الوطن. بل كلّما اشتقنا لوطننا أكثر، تحفّزنا لأن نعمل ونتعلّمُ كي نعود إلى وطننا وفي يدينا ما يعمّره ويفيده.

أؤمن بأنّنا نحن صانعو مستقبلنا ووحده الذي عاش الألم والظلم والفراق عن الوطن هو الذي يعرف مرارة هذا الشعور وهو الوحيد الذي لن يسمح له بأن يعود مجدّداً

نتعلّمُ أنّ الأمل يبقى رغم قسوة الظروف. نتعلّمُ أنّ الأهداف تبقى ثابتة مهما واجهنا من صعوبات. نتعلّمُ أنّ للوطن واجبٌ وحقٌ علينا وأنّ لدينا أمانة يجب أن نؤدّيها. نتعلّم أنّ الهجرة قد تكون بداية لنجاحاتٍ كبيرة كان من الممكن ألا نرى بريقها لو لم نهاجر. نتعلّمُ أنّ بذرة الوطن التي تعيشُ بداخلنا لا تموت أبدا مهما طال البُعد والفراق.

صحيحٌ أنّ ظروفاً صعبة جداً تمرّ بها بلادنا، الملايين هُجّروا ومئات الآلاف قتلوا والمئات غرقوا في البحار باحثين عن بريق أمل ظنّوا أنّه لن يعود. كل المآسي التي نراها ونعيشها ونسمع بها ليست سوى تحدٍ لنا بأن ننهض بأمّتنا، ننهض بها كي لا نسمح لها بأن توقع بلادنا في المستنقع الذي وقعت به.

قد يقولُ البعض هذه سياسة وتحالفات ودول عظمة لا حول لنا ولا قوة في تغييرها، إلا أنّني أؤمن بأنّنا نحن صانعو مستقبلنا ووحده الذي عاش الألم والظلم والفراق عن الوطن هو الذي يعرف مرارة هذا الشعور وهو الوحيد الذي لن يسمح له بأن يعود مجدّداً.

فالهجرة ليست النهاية بل ربما تكون البداية لكل شيء..



حول هذه القصة

قال الكاتب سيث فرانتزمان -في مقال بمجلة ناشونال إنترست الأميركية- إن سياسة أميركا جعلتها تحارب نفسها في سوريا، وإن حلفاءها هناك صاروا يتقاتلون في ما بينهم، وإن بعضهم يتهمها بالخيانة.

3/9/2016

أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن المفاوضين الأميركيين والروس يعملون “على مدار الساعة” بمسعى للتوصل إلى اتفاق بشأن سوريا، وأن المفاوضات صعبة وأنه ما تزال هناك “خلافات خطيرة”بين واشنطن وموسكو.

4/9/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة