حين تصاب المواطنة بطاعون الإنفاق الحكومي!

قد تغرقك الاستفهامات وأنت تمر على شاب يكسر كرسيا عموميا في مكان ما، أو على الأقل يركبه بطريقة تنقص من عمره الاستعمالي تسأل ما به هذا الشاب يكسر ما يستعمله اليوم وغدا؟. قد تصنف ذاك في خانة انعدام الأخلاق ربما، لكن هل سألت نفسك يوما أيكون اقتناع الشاب بالكسر عاملا خارجيا أيضا؟ قد يكون!

عندنا في الجزائر إذا رأيت أحدا يكسر مرفقا عموميا وسألته لم تكسره؟ سيجيب في غالب الأحيان "تاع البايلك" ويعني بها أنه ملك للدولة وليس ملكه ليحافظ عليه ! هل قال هذا عبثا؟ لا أعتقد!.

في كل أوطاننا الدكتاتورية، أو التي تشبهها على الأقل، حيث يغلب طابع الأفراد على طابع المؤسسات، يلعب الإنفاق الحكومي دورا محوريا، فأغلب الموظفين موظفون عموميون، وأغلب المشاريع الاقتصادية ليست إلا صفقات عمومية.

الإنفاق الحكومي عصب الاقتصاد ببساطة ويحدث هذا منذ عقود، رغم كل الأصوات التي تنادي منذ قرابة قرن بيد عمومية مغلولة تطلق يد القطاع الخاص، فلماذا لم نشهد هكذا اقتصاد في بلداننا يا ترى؟ هل الأمر متعلق بنفور الخواص أم بحاجة في نفس من يحكمنا؟

دفع المواطن شيئا من أمواله مباشرة يجعله دائما مصرا على مراقبة نفقات الدولة فيما تصرف ولمن تعطى لأنه يراها أمواله 

تؤكد جل النظريات وكل التجارب، أن هناك علاقة وطيدة جدا بين الإنفاق الحكومي والمواطنة وذلك من وجهين على الأقل:

الوجه الأول فحواه أنه كلما قل الإنفاق العمومي زادت مواطنة الأفراد، لأن انكماش الإنفاق العمومي سيصاحبه ارتفاع لنسبة مساهمة القطاع الخاص في التوظيف والجباية، وخروج المجتمع من دائرة الوظيفة العمومية مؤكد أنه سيمنحه هامشا مريحا ليقول وينتفض!

وهذا ما تركز عليه الدول الدكتاتورية القائمة على الأفراد والعصب في كثير من بلداننا العربية! إبقاء أكبر قدر من الأفراد تحت رحمة مال الحكومة سيعني البقاء في الحكم، أو بقاء الاستقرار على حد قول من يحكم.

الوجه الثاني حصيلته أنه كلما زادت مساهمة الفرد في الإنفاق الحكومي زادت مواطنته وهذا الأمر واضح جدا للعيان، ومساهمة الفرد هنا تعني بالمفهوم الرأسمالي خاصة الضريبة -خاصة المباشرة منها- وتعني في الفكر الإسلامي كلما يتعلق بالقطاع الثالث من زكاة ووقف وصدقة إضافة إلى الضرائب في حالات العسرة.

لنأخذ المثال الأبرز -في اعتقادي المتواضع-، تقرير مؤشر مدركات الفساد التي تنشره منظمة الشفافية كل عام، والذي يرتب البلدان حسب درجات الفساد في سياسييها وموظفيها، هذا التقرير يضع كل عام دول كالدانمارك والسويد وسويسرا على رأس الدول الأقل فسادا، وهذه الدول أيضا من أكثر الدول التي تفرض على المواطن ضرائب مباشرة.

إن دفع المواطن شيئا من أمواله مباشرة يجعله دائما مصرا على مراقبة نفقات الدولة فيما تصرف ولمن تعطى لأنه يراها أمواله، وقد فقه المواطن هناك أن ما يدفعه من ضريبة هو استثمار وليس تكاليفا، لذلك فلا عجب أن يصوت السويسريون بحرمانهم من منحة من دون عمل!.

الكثير منا ربما سيقول دولنا تفرض الضرائب وترفعها أيضا، أقول دولنا مخادعة حتى في فرض الضرائب فهي لا تميل كثيرا للأخذ مباشرة من راتبك، بل تفرض ضرائب غير مباشرة تستلمها منك وهي ترتدي قناعا شكله التاجر الذي بجانب بيتك! إن ما ترفعه في الغالب هو الضرائب غير المباشرة لذلك ذكرت أن النظريات التي تربط المواطنة بالإنفاق العمومي تركز بالخصوص على المباشرة منها، لأنها الدافع لمراقبة الفرد للمال العام.

إن سيئات الإنفاق العمومي لم تقف هنا، فبلداننا بمجرد أن تشهد طفرة في مداخيل الدولة حتى "تنهمر" الاستثمارات العمومية ومشاريع البنى التحتية بشكل قاتل ! فالمعلوم أن أي اقتصاد يشبه في عمله معدة الإنسان التي تستطيع احتواء قدر معين من الطعام فقط، فإذا وصلت ذاك القدر لم تزد لقمة واحدة، ولأن الاقتصاد كذلك فإن صرف ميزانيات هائلة أكبر من اللازم يولد من التسريبات ما يولد.

والتسريبات هنا مؤكد أنها سرقات ونهب ورشاوى، ونزيد هنا ملاحظة أن توسيع الكثير من دولنا العربية دائرة إنفاقها لم يرافقه توسيع عمل الهيئات التي تحمي المال العام!

قتل الإنفاق العمومي المواطنة بدل أن يبنيها؛ لأن من بيده حق الإنفاق آثر أن يبني مستقبله الشخصي على مستقبل بلاده

لقد أثرت قضايا الفساد في السنوات الأخيرة في المواطن العربي لدرجة جعلته في مرحلة يأس مطبق، وإلى حد أصبح معه لا يؤمن بصفقة عمومية سارت إلى نهايتها وفق القانون وبالقدر الذي كان يجب من المال من دون زيادة.

لقد قتل الإنفاق المواطنة بدل أن يبنيها لأن من بيده حق الانفاق آثر أن يبني مستقبله الشخصي على مستقبل بلاده، ولنلق نظرة على ميزانيات الولايات في كثير من بلداننا، أليست متغيرا تابعا للحملات الانتخابية في أحيان كثيرة؟

إن الإنفاق العمومي بهذه الطريقة طاعون يقتل مواطنتنا في صمت، يعلمها أن تأكل ما يصنع الآخر وتلبس ما ينسج الغير، ينزلها إلى حضيض "المساكنة" -بدل المواطنة- فيعيش الفرد مكتفيا بالسكن والأكل والشرب دونما هدف إنساني.

قتل هذا الطاعون الهوية، وهي عامل من عوامل النمو الاقتصادي كما أخبرتنا اليابان، وكثير من حكوماتنا تقتل طموح الفرد متعمدة، وتنفق المال والجهد لتبقى… لتبقى فقط.



حول هذه القصة

ادعت السلطات الأردنية على نائب الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي جميل أبو بكر بسبب انتقاده حالات فساد في التعيين بالإدارات الحكومية. وقال الأمين العام للجبهة حمزة منصور إن تحرك الحكومة يشير إلى رغبتها في إسكات المنتقدين ومصادرة الحريات.

18/1/2006

قالت صحيفة القدس العربي الصادرة في لندن اليوم إن البرلماني من حزب المؤتمر الحاكم في اليمن فيصل أمين أبو رأس أكد أنه بدأ خطوات جادة لتأسيس منظمة وطنية لمكافحة الفساد، فيما أقر الحزب والحكومة في اجتماع مشترك حاجة البلاد لإنشاء مثل هذه المنظمة لمراقبة الأداء الحكومي.

25/11/2005

تعهد المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بملاحقة الفساد والمفسدين، والمحافظة على ثروات البلاد. وكان رئيس الوزراء عصام شرف قد أصدر قرارا بتغيير قيادات الإعلام التلفزيوني والإذاعي الحكومي, بعد تغيير قيادات المؤسسات الصحفية والإعلام المكتوب.

3/4/2011
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة