الربيع العربي وموقع النخبة السياسية


تقديم

خمس سنوات تمر على انطلاق الشرارة الأولى للانتفاضات الشعبية المباركة والموسومة بـ"الربيع العربي"، انتفاضات وهبات شعبية كان طابعها الغالب السلمية في الحركة والفعل، وكان باعثها الأول سطوة وجبروت الاستبداد والظلم المسلط على رقاب الأمة منذ عقود بل منذ قرون متطاولة.

خرجت الشعوب عزلا إلا من تلك الإرادة الجامحة في التغيير بعد أن هدّ كيانها المادي والمعنوي
طول الانتظار، أجيال وأجيال توالت حكومات وأحزاب وإديولوجيات وتوجهات مرّت ولا جديد لاح يبشر بأفق النهضة المنشودة ، لا جديد غير مزيد من العنترة الطاغوتية والطبقية الآخذة في تفقير الفقير وإغناء الغني.

لا يفهم المواطن  البسيط شيئا عن الصراع الطبقي، ولم يكن الشيخ والفقير يعي معنى الخلاف والسجال الدائر حول الدولة الدينية والمدنية

خرجت مسيرات شعبية خالصة ضمت الفلاح والطالب والعامل والمتسول ، كانت الشعارات والمطالب بداية الأمر لا تتعدى المطالبة برغيف يسد مسغبة وعمل شريف يدفع ذل الفقر والمتربة، كانت الآمال عريضة وكانت نفوس الشعوب المقهورة مشوقة لغد الحرية والكرامة فكان الزخم الشعبي العارم يتناسب حينها إلى حد كبير مع حجم الكبت السياسي الممارس على هذه الجماهير.

موقع النخب في المشهد المجتمعي قبل وإبان الربيع العربي
الحديث عن النخب ابتداء هو حديث عن النخب السياسية بالدرجة الأولى على اعتبار تأثيرها وفاعليتها داخل المجتمعات وعلى اعتبار أيضا العلاقة المتلازمة بين النخب السياسية والمجتمعات على الأقل بالنظر إلى التجارب الديمقراطية ، والحديث عن هذه العلاقة وطبيعتها في النموذج العربي يقودنا إلى الجزم بأن الهوة ظلت تتسع وتتباعد بين النخب السياسية وبين الشعوب لدرجة القول بأن فصام نكدا قد طغى على العلاقة ،

والأسباب الكامنة وراء هذا الفصام متعددة لعل من أهمها وأكثرها تأثيرا في اعتقادي تتجلى في ثلاثة عوامل:

الأول يكمن في نظرة التعالي والأستاذية ـ إن صح التعبير ـ التي مارستها النخب العربية على شعوبها.

أما الثاني وهو نتيجة طبيعة للعامل الأول، فهو انقطاع الحبل الرابط بين الطرفين نتيجة الخطاب الذي تعتمد نخبنا السياسي والذي غالبا ما يطبعه التعقيد والتجريد.
العامل الثالث يتجلى في أن أغلب النخب السياسية على اختلاف توجهاتها ومنطلقاتها الإديولوجية كانت منذ الاستقلال تمارس دور التجميل والتزيين لوجه الإستبداد القبيح لدرجة قبولهم أن يكونوا ذدرعا واقية حماية للأنظمة الاستبدادية القائمة.

إبان الربيع العربي كان لزاما على هذه النخب بعد أن سحبت منها الجماهير الثائرة سبق التأثير كان لزاما عليها أن تتخذ موقفا واضحا مما يجري على الساحة وهنا انقسم الطيف السياسي إلى أقسام ، قسم فضل الإصطفاف في صف الطاغوت حفاظا على المكاسب واعتقادا منه أن ما يجري هو موجة عابرة ستنتهي ويعود الأمر لسابق عهده ، وقسم اقتنع بأن الحق مع الشعوب وأن لا تغيير يرجى خارجا عن إرادة الأمة وصنف آخر ـ وهو الأخطر ـ نزل إلى الشارع "تقية" وركوبا للموجة إلى حين الركوب عليها .

وظل الغالب على علاقة النخب بالشعوب طوال الإنتفاضات الشعبية وفي مختلف البلدان الثائرة هو النفوروالتباعد وظل علو الخطاب هو السمة البارزة ، لا يفهم المواطن العربي البسيط شيئا عن الصراع الطبقي والجدلية أو الحاكمية ، ولم يكن الشيخ والفقير يعي معنى الخلاف والسجال الدائر حول الدولة الدينية والمدنية ، كان الإتجاهان ـ النخبوي والجماهيري ـ متباعدان تباعد المشرق والمغرب.

النخب السياسية وتدبير المرحلة الانتقالية
بعد أن اشرأبت أعناق الشعوب إلى بزوغ شمس الحرية والعدل الإجتماعي بعد سنين الظلم والقهر، وبعد أن تهاوت عروش طغاة لم يكن أحد يتخيل يوم جلائهم عن صدر الأمة ، بعد كل هذا تنتكس المسيرة وينقض الغزل بعد قوته وتعود دار لقمان إلى حالها ، والعود على البدء كان سببه الرئيسي من جديد هو سوء تعامل المكونات السياسية مع الوضع الجديد وفشلهم في تدبير الخلاف المصاحب عادة لكل مرحلة سياسية انتقالية ، ليس المقام بمقام الخوض في تحليل كل تجربة من تجارب دول الربيع العربي على حدة ، لكن نجمل القول في كون غياب ميثاق أخلاق جامعي سبب رئيسي فيما وقع من تراجع كارثي.

الخضوع والتآمرعلى الداخل تبعا لأجندات وأهداف خارجية مهما بلغ صدق نيتها هو خط أحمر وخطيئة سياسية وأخلاقية
" 

كان للذين دخلوا الربيع العربي "تقية" و"مداراة" الأثر الأكبر في الانقلاب على مكتسبات الشعوب من هذا الربيع المخملي، أبانت التجربة المصرية مع الالتفاف المريع والمرعب الذي نفذته أيادي النخبة التي صنعها مبارك وقبله السادات عبد الناصر وقواها بعصا الجيش على أن النخبة العربية لم تكن ـ أغلبها ـ في مستوى التكليف والثقة الشعبيين وأن الإنفصام التاريخي النكد والمر أطل من جديد وأجهز على كل الآمال التي كانت معقودة في تغيير حقيقي يرقى لتطلعات الشعوب.

الخطأ الكبيرة والخيانة الأكبر التي مارستها النخب السياسية في مصر وفي غير مصر حين خضعت للأجندات الخارجية وقبلت أن تخدمها ، وقد يكون الأمر عاديا خاصة والجميع يعلم أن نخب ما بعد الإستقلال الصوري للبلدان العربية والإسلامية جلها صناعة أجنبية بامتياز وضعت إلى جانب الحكام مراعاة لمصالح القوى الإستعمارية والمشروع الصهيوني بالخصوص.

خاتمة
الموجة الأولى من الربيع العربي الذي عرفتها الأمة قبل خمس سنوات هي في الواقع تجربة وتدريب لهذه الشعوب التواقة للحرية والكرامة، ودرس لها مفاده وخلاصته في أن الخلاص من ربقة الإستبداد والفساد لا يتمثل في الإطاحة برؤوس أشخاص، وإنما يتجاوز إلى الإطاحة بأنظمة واجثثاتها اجتثاثا جذريا.

الدرس الثاني من دروس الربيع العربي موجه للنخب السياسية ـ الصادقين منهم ـ على اعتباريتها داخل المجتمعات،  اعتبارية تفرض عليها التغلغل وغشيان الشعب والنزول من البرج الإديولوجي العالي والمتعالي عن هموم الناس ومتطلبات الواقع، ومراعاة خصوصية التاريخ والجغرافيا،  وأن الخضوع والتآمرعلى الداخل تبعا لأجندات وأهداف خارجية مهما بلغ صدق نيتها هو خط أحمر وخطيئة سياسية وأخلاقية ووطنية لن يغتفرها التاريخ الذي لا ينسى.



حول هذه القصة

صدر في قطر كتاب باللغة الإنجليزية بعنوان “رصاصات ونشرات.. وسائل الإعلام والسياسة في أعقاب الانتفاضات العربية”، ويتناول العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والتحولات بالمنطقة منذ بداية الربيع العربي عام 2011.

2/9/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة