إلى سماحة المفتي!

السّيد أحمد حسّون مفتي الجمهوريّة السّوريّة، سلامٌ وبعد:
إن كنتَ تحسبُ أنّ العلمَ وحده يُنجي صاحبه فتذكّر أنّ إبليس أعلمُ بالحلال والحرام منّا جميعاً!
وإن كنتَ تحسبُ أنّ العبادةَ وحدها تُنجي صاحبها فتذكّر أنّ ابن سلول كان يُصلي الفجر في المسجدِ خلفَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم!
وإن كنتَ تحسبُ أنّ العلمَ والعبادةَ ينجيان صاحبهما دون إخلاص فتذكّر أنّ أوّل من تُسعّر بهم النّار ثلاثة عالِمٌ ومنفقٌ وشهيد !

سماحة المفتي: إنّ دماء الأبرياء لا يغفرها حبر كتب الفقه وإن كثُرتْ! والأطفال الذين بعثرتهم براميل سيدك أشلاءً لا تغفرها مؤلّفات كتب الحديث وإن طالتْ !

سماحة المفتي:
لا أعرفُ لماذا أكتبُ إليكَ، فأغلبُ الظنّ عندي أنّك لا تستحقُ ثمن الورقة التي أكتبُ لكَ عليها!
وأغلبُ الظنّ عندي أنّ هذا الكلام سيذهبُ سُدىً ولو وصلَ إليكَ! فالذي لا يهزّه الدّمُ المسالُ في الشّوارع، لن يهزّه الحبرُ المسالُ في الورق! ولكنّي أحسبني برسالتي هذه أرفعُ وزر الصمت عنّي، وأقوم بواجب النّصح تجاهك، فإن سمعتَ كان لكَ، وإن أبيتَ كان عليكَ، ومردُّ النّاس إلى الله !

سماحة المفتي:
العلماءُ ثلاثة كما لا يخفى عليكَ: علماءٌ ربّانيّون، وعلماءُ سوء، وعلماءُ سلطان!

فأما العلماءُ الرّبانيون فهم الذين يدورون مع رحى القرآن حيث دارتْ! همهم رضى ربّ العرش لا صاحب العرش! إن أصلحَ السّلطان أعانوه، وإن أفسدَ كانوا أوّل من وقف في وجهه ، فقد قُطع رأس نبي الله يحيى لأنه رفضَ أن يُفتي للملك بجواز أن يتزوّج إحدى محارمه! وذُبح سعيد بن جُبير لأنه رفضَ أن يسكت عن الدّماءالتي سفكها الحجّاج ! وسُجن أحمد بن حنبل وجُلد لأنه رفض أن يُقرّ للمأمون بخلق القرآن ! كما ترى سماحتك إذا نزلت الخطوب احتمت الأمة بالعلماء لا العلماء بالأمة، لأن زكاة العلم الثّبات !

أمّا النوع الثاني فهم علماء السّوء، وهؤلاء شرّهم يسير إذ همهم ملأ الجيوب والبطون، وشرّهم مقصور على أنفسهم، وما يصيب النّاس من سوئهم مقدور عليه!

والنّوع الثالث هم علماء السّلطان الذين يمرّغون لحاهم في بلاط الحاكم كما تفعل عند سيّدك! يعملون كالخيّاطين فلا تصدر عنهم فتوى إلا على مقاس الحاكم ! وهؤلاء شرّهم مستطير إذ أنّ فسادهم يقع على النّاس فمتى تزوّجت الفتوى السلطانَ أنجبت للمجتمع الاستبداد المقدّس!

وقد قال حُذيفة بن اليمان : إياكم ومواطن الفتن ! فقيل له : وما مواطن الفتن ؟ فقال : أبواب الأمراء! وقال سعيد بن المسيّب : إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحذروه فإنّه لص ! وقال الحسن البصريّ : إنّك لن تصيب من دنيا السّلاطين شيئاً إلا وأصابوا من دينك أشياء ! وأقولُ أنا سدد الله قلمي : إن كانت العربُ قد قالت قديماً تموت الحرة ولا تأكل بثدييها فإن العالم يموتُ ولا يأكل بدينه لأنّ هذا أشدّ عهراً!

ولستَ أول علماء البلاط، ولن تكون آخرهم، ولكن عليكَ أن تعرف أن الغبيّ من باع آخرته بدنياه، وأغبى منه من باع آخرته بدنيا غيره ! فانقذ نفسكَ، وفِرّ بدينك، أو ما تبقّى منه !

سماحة المفتي: واللهِ إنّه لموتٌ واحد طال الزّمان أم قصُر، وشتّان بين ميّت على باطلٍ وميّت على حقّ ! فإن كنتَ لا تجرؤ على أن تقف هذه الوقفة فاهرب!

سماحة المفتي :
إنّ أول ما يُقضى يوم القيامة في الدّماء ! وإنّ دماء الأبرياء لا يغفرها حبر كتب الفقه وإن كثُرتْ ! والأطفال الذين بعثرتهم براميل سيدك أشلاءً لا يغفرها مؤلّفات كتب الحديث وإن طالتْ ! فمؤلفات المرء إمّا حُجة له، وإما حُجة عليه، وإنّ هدم الكعبة سبعين مرّة أهون عند الله من إراقة دم امرىء مسلم، فلا تركن إلى كتبك، إنّ الحبر لا يغفر الدّم!

والمُحرّض على القتل كالقاتل كما تعرف، وعندما تآمر بضعة رجال في اليمن لقتل رجل واحد زمن عمر بن الخطاب، قتلهم جميعاً به، فلما سُئل: أتقتلُ الجمعَ بواحد ؟ قال : والله لو أنّ أهل اليمن تآمروا على قتل مسلم لقتلتهم جميعاً به!

سماحة المفتي :
لا شكّ أنك تعلم أن سيّد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى حاكمٍ ظالمٍ، فأمره ونهاه، فقتله ! وواللهِ إنّه لموتٌ واحد طال الزّمان أم قصُر، وشتّان بين ميّت على باطلٍ وميّت على حقّ ! فإن كنتَ لا تجرؤ على أن تقف هذه الوقفة فاهرب ! فإنّ الفرار من الإثم رأس الشّجاعة، وقد قال ربّك : " ففروا إلى الله "!

إنّ أرض الله واسعة يا أحمد حسون ولكنّ القبور ضيّقة ! فلا تغترَّ بحلم الله فإنّه إن أمهلكَ فلن يُهملكَ ! كم ستعيش ؟ مئة ؟ ثمّ إلى أين ؟! أليس إلى محكمة قاضي القضاة ؟ ستقفُ بين يديه وحدكَ ! لن يُدافع عنك سيّدك ، ولن يُرافع عنكَ حزب بعثكَ ! ولائحة الاتهام كبيرة ، وليس في الصّحف شيء أثقل من الدّم !

سماحة المفتي :
هذا ما كان منّي، كُرة النصيحة كانت عندي وقد ركلتها عندكَ ، والأمرُ إليكَ ، سدد هدفاً كبيراً علّ الله يغفر لكَ ما كان منكَ، أو راوغ كما يحلو لك، فالموعد صافرة ملك الموت ، والسّلام !



حول هذه القصة

سجلت مدينة داريّا بريف دمشق حضورا مبكرا وقويا في الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد منذ اندلاع الاحتجاجات السلمية في مارس/آذار 2011، وقد دفعت المدينة ضريبة صمودها أمام بطش النظام.

28/8/2016

أعلن مفتي سوريا الشيخ أحمد بدر الدين حسون اليوم الثلاثاء عن “إعداد نساء سوريات ليكن مفتيات” قائلا إن على الإنسان في الشرق والغرب أن يقرأ كلام الله في الكتب الدينية وليس كلام رجال الدين.

10/6/2008
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة