يوم مات أبي

عشت في أسرة فقيرة يغلب عليها النظام البوليسي، فأمي كانت ربة منزل شأنها شأن الكثير من الأمهات اللواتي تركن مقاعد الدراسة وتفرغن لتربية أولادهن، أما والدي فكان رجلاً جافاً، قضى معظم فترة شبابه ضابطاً متنقلاً بين الجبهات والمعسكرات، منذ منتصف السبعينات إلى أواخر العام 1993، وأحيل بعدها إلى التقاعد لأسباب صحية.

كان أبي شاباً وسيماً وأنيقاً، يعشق ارتداء البدلات "الانكليزية" والتي كانت عمتي ترسلها إليه من لندن، ورغم أناقته وطباعه الهادئة، كان أبي شديد القسوة في التعامل معنا، كان يعاملنا وكأن كل المشاكل والمصائب في هذا العالم بسببنا، الأمر الذي جعلنا نهاب أن نصدر حتى صوتاً أثناء تنفسنا، فمثلا عندما كانت والدتي ترتب له "سفرة" الغداء في الظهيرة، كنت أجلس وأخوتي وأخواتي السبعة وكأن على رؤوسنا الطير من شدة خوفنا منه، على الرغم من أنه كان كلما رفع بصره إلينا، ارتسمت ابتسامته على وجهه رغم محاولته إخفاءها.

و رغم كل هذا، كان أبي رجلا معطاءاً، لا يقصر ولا يبخل بشيء علينا، وعلى والدتي التي كان يحبها جداً، لدرجة أنه كان يناديها بـ "بنت خالي"، من شدة حبه لها ولأبيها، فعندما بدأت الأسواق المركزية "الأورزدي" باستيراد الدراجات الهوائية، ذهب بنا و ابتاع لكل واحد منا دراجة هوائية، لكني لم أكن سعيدا كما كان أخوتي الكبار، فلقد عانيت من تسلط أختي الكبيرة ومحاولتها الاستيلاء على دراجتي الـ16 من جهة، وعدم تمكني من الاتزان على دراجتي الصغيرة، فكثيرا ما كان جسدي يصاب بإصابات طفيفة، ولكنها مؤلمة جراء سقوطي المتكرر من الدراجة. ورغم هذا الدلال من جهة أبي، كانت قسوته وشدته تنسينا لحظات الدلال تلك. كان يخبئ لنا في غرفته سوطاً رفيعاً من الخيزران، ورغم نحافته ونعومة ملمسه، إلا أنه كان مؤلماً للغاية، لدرجة أني بالكاد آخذ أنفاسي عندما كنت أتعرض لجلدة ذلك السوط، حتى أني كنت أسمع له حفيفاً وهو يشق الهواء، ليترك بعد ذلك خطاً أحمر على جسمي الهزيل.

ورغم كل ذلك كان حبي لأبي كبيرا جداً، فكنت أنتظر عودته من محل الكوي كل يوم، جالساً على قارعة الطريق، وعندما أراه من مسافة بعيدة، كنت أركض وتتبعني أختاي الصغيرتين والمدللتين "فاطمة وسلمى" ونحن حفاة الأقدام، من ثم ينحني جالساً على الأرض، لكي يأخذنا بأحضانه الدافئة. استمرت حياتي وحياة أختاي الصغيرتين على نحو متغير بين الفرح والمرح، والحزن والبكاء والمرض، وعندما كنت في الصف الثالث الابتدائي، كانت حياتي وحياة أسرتي تتغير، فبعدما شكى أبي من ألم حاد في خاصرته، قرر للذهاب برفقة أمي إلى الطبيب لأجراء الفحوصات والتحاليل اللازمة، رغم أنه كان لا يريد الذهاب متجاهلا الآلام في خاصرته، إلا أنه في النهاية استسلم لضغوط ودموع أمي التي أجبرته على الذهاب للطبيب.
 

كان والدي مخيفاً بصلعته وعظام صدره البادية بوضوح، حتى أن صورته ظلت راسخة في ذهني لأسابيع.

وبعد أيام من إجراء الفحص. طلب من والدتي الذهاب إلى العيادة وجلب نتيجة التحليل، فاستجابت أمي بلهفة، وتوجهت إلى العيادة، بينما ظل هو طريح الفراش، محاولاً إظهار تماسكه أمامنا لكي لا يشعرنا ولو للحظة بأنه مريض وبحالة ضعف، فلقد كان رجلا أنفاً خشن الطباع، ولا يحب أن يظهر بموقف الضعيف المريض حتى أمام زوجته وأولاده. وبعد ساعتين عادت أمي بعينين حمراوتين إلى البيت ولم تكن بوضع طبيعي، فلقد كانت حزينة للغاية، ومحاولةً كتم عبراتها، لكن أبي كعادته لم يظهر ضعفاً ولا اهتماما للموضوع. فسأل أمي أين نتيجة الفحوصات؟ فأجابت والدتي بأن النتيجة لم تظهر بعد وأن الطبيب قال لها أن النتيجة قد تتأخر لأسبوعين. حيلة أمي التي حبكتها لم تنطوي على أبي فأجابها على الفور بـ: "الحمد لله على كل حال، هذا أمر الله، سرطان بيه مو بلة." لم تنطق أمي بأي حرف فلقد كانت دموعها كافية للإجابة عن سؤاله.


كان حالنا وحال والدتي المجهدة أصلا من العناية بزوجها المريض، والذي أكل سرطان الدم من جسمه، يرثى لها، حتى أني أذكر بأنه ظل في المشفى 3 أشهر متواصلة، لم نره فيها أبداً، وبعدما استفحل المرض واستمكن من جسده مقاوماً جرعات "الكيمياوي" التي أعطيت لوالدي، والتي جعلت منه رجلاً بجلدٍ وعظمٍ فقط، وأصلع الرأس حليق الوجه. وبعد أشهر من معاناته جراء فراقنا، ذهبت أمي بنا لكي يرانا، فلقد كان شوقه لنا أشد ألماً وحرارة من مرضه وجرعات الكمياوي، وعندما رأيت أبي للمرة الأولى بعد غيابه عنا، صعقت لأنني لم أعرفه جيدا، فلقد كان والدي مخيفاً بصلعته وعظام صدره البادية بوضوح، حتى أن صورته ظلت راسخة في ذهني لأسابيع، ولم أستطع النوم جيداً لأيام بعد تلك الزيارة.

وبعد شهرين من زيارتنا له، وفي ظهيرة يوم الأحد من العام 1997، عادت أمي وبرفقة خالاتي، وأخذوني إلى بيت جدي في محيط التاجي، بينما أخذت خالتي الأخرى أختاي سلمى وفاطمة إلى منزلها في الغزالية. لم أكن أدرك بأن أمي طلبت ذلك من خالاتي، لكي تعود إلى المنزل برفقة والدي، فعندما سألتها بعد سنين لم قمت بذلك؟ أجابت: لقد كنتم صغاراً، فخشيت عليكم الصدمة إذا رأيتموني عائدةً إلى البيت برفقة جنازة أبيكم.

توفي والدي عن عمر 38 بسبب مرض لوكيميا الدم "سرطان الدم" بسبب تأثره بقنابل اليورانيوم المنضب الأمريكي، والتي استخدمت في حرب الخليج الثانية، بينما تولت تربيتنا والدتي، والتي كان عمرها آنذاك 32 عاماً فقط.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

قال الرئيس الأميركي إنه بحاجة للاستماع لأفكار بشأن إنهاء الحرب بسوريا لا تتضمن اشتراك أعداد ضخمة من القوات الأميركية فيها، مشيرا إلى أنه سيبحث ذلك مع خبراء ومسؤولين ومعارضين لسياسته.

قالت السلطات في ولاية نورث كارولينا إن فتى يبلغ من العمر 14عاما قتل أباه بالرصاص، ثم قاد شاحنة باتجاه إحدى المدارس وفتح النار فأصاب طفلين ومعلمة ظهر أمس الأربعاء.

الأكثر قراءة