والضفتان ترددان حريتي.. ومعابر الريح الغضوب

blogs - free
حاولت اليوم أن أتجاهل رائحة النسيم، ودفء الصباح المفترش فوق جسدي المهرول نحو الشارع، حيث أقف منتظرة باص طلاب الجامعة، لم يكن مكتظا كما انشغلت مخيلتي بذلك، استطعت أن أجد كرسيا بسهولة، فضلت أن يكون بجانب النافذة، كي يتسنى لي متابعة الأقدام خلفها، وتجاهل وجوه الجالسين الصامتة، تلك التي لا تملك أي ملامح سوى ما يرسمه ابن الخامسة، حين يمسك قلما لأول مرة.

لربما ضجيج الأفكار في رؤوسهم كان أقوى من مذياع السائق، حتى أن أحدا لم يطلب منه خفض الصوت، ومثل نشرة الأخبار الصباحية المترددة من كل الثقوب كعادتها كان في رأسي حديث يقول: "أنا ابنة وطن، يحتضن جسدي جزءا منه وتبحث روحي عن وجهه اللآخر، من غزة أطلقت صرخة الحياة، فتحت عيني وحملقت بالسقف الغريب فوقي، وجلت ببصري نحو المعلقين حولي كما لم يفعل الصغار.".
 

هكذا تقول أمي: "كبّروا في أذني اليمنى، وفي اليسرى غنّوا نشيد الوطن، أصدروا لي شهادة ميلاد وأبرزوها بوسام كلمة لاجئة، ذلك الوسام الذي سيضمن لي منازعة المغتصبين للأرض، من حرموا جدتي المكوث نحو بئر قريتها، حين زارتها بعد النكبة بعشرين عام، وأجبروا عينيها الصامدتين في وجه جبروتهم على البكاء، حين لم تجد معالم الدار، ولا زيتونها المحفوفة بأشجارها العجوز لاجئة، ذلك الوسام الذي يتبعه دائما سؤال: من أي قرية هُجّرتم؟ كيف للأرض أن تقبل بأقدام زائفة، منازل مجهولة الهوية والطراز، لغة لم يعهدها الهواء المتنقل في طرقاتها، بقيت صامتة تتجرع الدماء النجيع من أبنائها وهم يحاولون إنقاذها من الغرق في محيط اللاشئ.

فكوا وثاقنا ولا تستعبدوا حريات ولدنا بها، لا تزرعوا خوفاً في أرواحنا، فنحن هنا نعض على كل قيد عرفناه مذ نزعنا من أرحام أمهاتنا.

كبرت فيها، وقعت مع الأيام مواثيق أحلام لم أعهدها بعد، حصارهم لها عن معنى كلمة حياة أصبح كفيلا أن يقتل أهلها بصمت وإلا احتاجوا لأن يدقوا أعناقهم بالرصاص وكل ما كتب عليه محرم دوليا، إرهابيون إذا ما أشرعوا النصال في وجه مستوطني أرضهم وتاريخهم، ميتون في نظر الذئاب المستحكمين لقيود هذا العالم، وهم أحرار فوق السماء وتحتها وفي قلب الشمس نورهم غارق، ينتزع ستائر الظلام عن كل بقعة أرض.

قطع الباص شوطا طويلا لم أعد له زمنا، حتى وصل، وبدأ كغيره بافراغ حمولته حتى صار الطريق محشوا بهم، إنهم نحن الشباب الطلاب أيتام الوطن، ثوار المعارك الهائجة في كل ميدان، أصحاب الألسنة اللاعقة للكتب والأفواه الممتلئة بكل الأناشيد المكتوبة بدماء الشهداء، أعمدة البناء، جذور الأشجار المتشبثة في قلب الأرض وأصحاب فروعها الغائرة في عمق السماء، ليس ذنبنا ان تأففنا الضجر حين الصباح، والشمس ترقص ببريقها في أعيننا الهاربة من لهيبها، ليس ذنبنا ان قتلنا الربيع قبل عامه الألف، ذلك الذي لن نعشه ولن نلتقط بجانبه صورنا الأخيرة، فكوا وثاقنا ولا تستعبدوا حريات ولدنا بها كما قلوبنا، أزيلوا العقبات، لا تلفوا خيوط عناكبكم حول رقابنا وتزرعون خوفا في أرواحنا وهان نحن به أو بدونه نعض على كل قيد عرفناه مذ نزعنا من أرحام أمهاتنا.

أيها العالم: خذ بصرخاتنا ولا تضع أمامها الجدران، كي نموت بصداها المنبلج بصمتك.

أيها العالم: خذ بصرخاتنا ولا تضع أمامها الجدران كي نموت بصداها المنبلج بصمتك، وأنت لا تتقن سوى صنع الأكفان وتغسيل الموتى والقلق الزائف المتصدر في أعلى جرائدك المشهورة، ألق بالا لذلك المغتصب لما قسّم أرضنا وخلق بيننا الجدران، حرمنا حدود بلادنا وما وراءها من أن تدوسها أعيننا وتلمسها أرواحنا، صرنا نعلق صور الحرية على صدورنا ونزين أطرافها بشريط أسود، أصبحنا نخشى إغلاق النوافذ وقفل الأبواب كي لا يذكرنا ذلك بما سُلبنا، وسنبقى نصرخ ونهيج ونموت لأجلها حتى تشق جنحاننا هواءها وتمتلئ دماءنا بعبيرها.

أفتح عيني الآن نحو الواقع وأنا سائرة من بينهم نحو قاعات المحاضرات وصوت أغنية موطني يرفرف من بطن المكبرات يردد:
مَوْطِني!
موْطِني!
اْلجَلالُ وَالْجَمالُ وَالسَّناءُ وَالبَهاءُ
في رُباكْ
وَالحياةُ وَالنّجاةُ وَالهَناءُ وَالرَّجاءُ
في هواكْ
هلْ أراك سالماً مُنَعَّماً وغانماً مُكَرَّمـاً
هَلْ أراك في عُــلاكْ تَبْلُــغُ السِّماكْ
مَوْطِني!
مَوْطِني!
الشَّبابُ لَنْ يَكِلَّ ، هَمُّهُ أَنْ تَسْتَقِلَّ أَو يَبيدْ ،
نَسْتَقي مِنَ الرَّدى وَلَنْ نَكونَ للْعدِا كَالعَبيدْ ،
لا نُريدُ ذُلَّنا المُؤبّدا وَعيشـَنا المُنكَّـــدا ،
لا نُـريدُ بَلْ نُعيــدْ ، مَجْــدَنا التّليــدْ .
مَوْطِني
مَوْطِني