شعار قسم مدونات

كافكا.. ثورة ديسمبر

blogs - tun
انتهت أمّي من إعداد طبق "الكسكسي" الأصيل مساء السابع عشر من ديسمبر سنة 2010، فقد كانت على يقين تامّ من أنّ تلك الوجبة التونسيّة الكلاسيكية، لهي وحدها القادرة على جمع الكلّ تحت ذات السقف: الماركسيّ الراديكاليّ الثائر، والإخوانيّ السلفي المحافظ، كلاهما على ذات المائدة، لكن مذاق "الكسكسي" يومها لم يكن ذاك المذاق المعتاد الذّي حذقناه يا "نجاة"، حتما ثمّة أمر هامّ وخطير يجري. لقد تأكّدتُ من أنّ أمرا غريبا يشبه حلقة مسرّبة من سلسلة "بات مان" الهوليوديّة يحيط بنا يومها.
 

سمعت على إحدى محطّات الراديو المحليّة أغنية قديمة لجوليا بطرس صدحت بها حنجرتها الثائرة:
"مع كلّ الّي صار
رح تبقى إلنا الدار ويرجع شجر الغار
يزهر كرامة بأرضك يا جنوب."
لم أدرِ ما يحصل بالضبط ولكنّ عبق الثوّار صار يشيح المكان، صورة والدي أيّام "الجنديّة" وهو يحتضن العلم الوطنيّ، بدت لي على غير صمتها في تلك اللحظة. ألوان السماء المشّعة، بدت وكأنّي بها تحتفي بالظلمة وغبار الساحات. المحطّة التلفزيونيّة المحليّة "تونس 7" تماهيا مع انقلاب 1987 السريريّ تبثّ شريطا مصوّرا "لتكاثر الثعالب بإفريقيا". محطّة "الجزيرة" تعلن عن تباشير الثورة والتصعيد. عميل الساي اي اي الودود، لطخات من الدمّ تشوّه حاسوب "زهيّر اليحياوي" الثائر. "الخُبزَة بـ مِيِتِيِنْ". القبض على مغنّي الراب "الجنرال". مذاق "الكسكسي" لم يحافظ على لونه أبدا، سيدي بوزيد تعلن الثورة، تونس تفتح النار على الصنم، السابع عشر من ديسمبر يوم الثوّار وحدهم.
 

كنا شعباً ثائراً يختلط دمه بعرقه، فيكشف عن صور الموت القاسية، عن ألوان الدمار والتهجّر، ولوعة الوطن.

حتما إنّها ألوان الثورة التونسيّة، وقد اختلطت بغبار الساحات ولون الدمّ، وغاز "الكريموجان". لم نتعوّد نحن "التوانسة" الصدام مع قوّات الأمن، وبنادق القنّاصة المنتشرة على طول ساحة وزارة الداخليّة، ولكن ها نحن وقد غصّت بنا شوارع الثوّار والمتمرّدين: "الشعب يريد اسقاط النظام"، لم نتوقّف لحظة عن ترديد ذاك الشعار، إلّا للصراخ عاليا "خبز وماء وبن علي لا". حتما لكم هو طيّب مذاق الخبز الصلب وأنت تصنع التاريخ من عنفوان اللحظة وشرارة الشوارع. تمادى زخم الثورة حتّى صارت أهازيج الشعب الثائر تحتلّ أعتى المحطات التلفزيونيّة والراديوهات الدوليّة، الشعب يعلن عن نفسه ويعريّ النظم التوتاليتاريّة. وكأنّ نظام بن علي قد سقط منذ الجولة الأولى وبالــكاي أو.
 

هكذا كنّا يومها، شعبا ثائرا يختلط دمّه بعرقه، فيكشف عن صور الموت القاسية، عن ألوان الدمار والتهجّر ولوعة الوطن. يكشف زيف السياسة، ونسب الانتخابات الساحقة لصالح حزب التجّمع ولكن يحصل أن يسقط حزب التجمّع على يد تجمّع الشعوب الثائرة، فلا الرصاص بقادر على ردعنا، أو وقف زخم الثورة يومها.
 

رأتني ابنتي التّي تستعدّ للسفر إلى بريطانيا غدا، وقد أطلقت العنان للعبرات على الصفحة الأخيرة من كتابي "تونس ذات ديسمبر" والذّي لن ينشر، أنا نفسي لم أستوعب ما يحصل بالضبط، قرأتُ الجملة الأخيرة قبل أن تحرقها نيران قلبي وسيجارتي البعيدة: وانهزمت ثورة ديسمبر.
 

رأيتُ ابنتي الفرنكفونيّة تكتبها بدمها ليلة سقوطها في حلب: المجد للشهداء. الطغاة يهابون الثورة، ولذلك فنحن نحبّها، نموت على يديها ولا نقتل أبدا. وانتصرت الثورة يومها..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.