شعار قسم مدونات

الموت الرحيم

blogs - cancer
أسبوع كامل ولم يمر عامل التنظيفات لتنظيف حارتنا، ورائحة القمامة بدأت تنتشر في الحي، والقطط سعيدة بذلك. كان عدد القطط في الشارع وكأنها ليلة من ليالي شهر شباط، شهر تزاوج القطط، لكن ما الفائدة من كل أكياس القمامة إن لم يكن بداخلها بقايا عشاء فاخر دسم؟

الطيّار يحلّق في سماء الحي باحثاً عن هدف ليرميه بما بجعبته من براميل متفجرة وقنابل مرخصة دولياً، وعلى ما يبدو كان مسرعاً ومشتاقاً لمنزله ولرؤية عائلته التي تتضرع بالدعاء لإحراز هدف بأكبر عدد ممكن من الإرهابيين الكارهين للرئيس، يقترب صوت الطائرة، أنطق بالشهادتين، تغيب رائحة القمامة عن أنفي وتركيزي كله في المكان الذي سيقصف الليلة، أسمع صوت انفجار ضخم، وعلى مايبدو الهدف كان قريباً، في نفس الحي، لا أعتقد أن سبب القصف كان لمعاقبة عامل التنظيفات وكثرة القمامة، أذهب باتجاه الغبار الصاعد جراء القصف، وأنا في طريقي أراقب الغبار يتصاعد إلى السماء مصطحباً بعض الأرواح، ووجوه رأيتها من قبل.

يصرخ أحدهم: حدا عندو سيارة؟ لم يتجاوب أحد مع هذا النداء، فما كان من المنادي إلا أن يضع الطفل الصغير على عربة الخضار ذات العجلات الثلاث ليسعفه لأقرب مركز إسعاف، كان الطفل قد أصيب بشظية بساقه، ودمعه يتساقط على خده ليعكس ضوء القمر في تلك الليلة المظلمة. يدخل الرجل إلى مركز الإسعاف، المسعف لا ينظر في وجوه المصابين عادةً، فقط يبحث عن مكان النزف، يحاول المسعف قص بنطال الطفل الممزق بشظية، لكن الطفل يبكي ويمنعه من ذلك، ويقول: عمو الله يوفقك مافيني شي.. مافيني شي، كان بكاء الطفل يعلو كلّما اقترب المقص من البنطال وتجاهل ما أصابه من قصف. وبعد مفاوضات بين الطفل والمسعف تم خلع البنطال بشكلٍ سلمي، وتم إخراج الشظية الساخنة وضُمِّد جرح الطفل الذي خرج من النقطة الطبية وملامح التساؤل على وجهه تقول: ماذا فعلت كي يخرّب عليّ الطيار نومي؟

من بين المصابين الكثيرين وجدنا قط كبير أصيب في بَطْنِه، استغربنا من ذلك، فمخالبه لم تكن ملوّثة بالدم كما يصف الإعلام الحكومي كل معارض للرئيس.

يستمر البحث عن باقي العالقين تحت الأنقاض، وكذلك الشتائم بحق الرئيس والطيار أحياناً، من بين المصابين الكثيرين وجدنا قط كبير أصيب في بَطْنِه، استغربنا من ذلك، فلا ملامح للإرهاب ظاهرة على وجهه، ومخالبه لم تكن ملوّثة بالدم كما يصف الإعلام الرسمي الحكومي كل معارض للرئيس، على ما يبدو كان يخطط لإنقلاب عسكري أو ربّما اقتحام سلة قمامة الرئيس، أخذنا القط لنسعفه، ونحن نجهل تماماً طريقة التعامل مع القطط الجرحى. حاولنا أن نساعده لكن دون جدوى، مازال ينزف ويقاوم وجعه، ومازلنا ننتظر لحظة موته، إلى أن اقترح أحد الأصدقاء أن يقتله برصاص مسدسه ليرتاح من عذابه.

كانت الفكرة الأنسب ولم يخطر في بالنا أن تعتبر جريمة أو انتهاك لحقوق الحيوان، كل ما كان يدور في بالنا هو راحة هذا القط، تم أخذه إلى حديقة الشهداء القريبة لقتله، ودُفن بين شهداء الحي، كأي معارض للرئيس.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.