شعار قسم مدونات

الأيديولوجية كفنتازيا اجتماعية

blogs - isis
هناك حلم وحقيقة وفنتازيا! وببساطة الحلم هو تصور للواقع ورغبة عميقة في تحققه، والواقع هو التصور المعطى المطابق المعرفي للمعطيات الحسية، والفنتازيا هي الواقع المستحيل! والفنتازيا بالنسبة لمن يؤمنون بها هي في مرتبة أعلى من الحقيقة كما نفهما، أي تصوير للواقع ومطابقة الصورة الذهنية عنه، وإنما هي حقيقة واقعية تقبع وتختبئ وراء المدلول الواقعي نفسه، وما الحقيقة المعرفية عن الواقع إلا تمثلات لهذه الفنتازيا (الحقيقة جدا لحاملها )!
إن الأيديولوجية هي ماهية هذه الفنتازيا، وليست هي تزييف الواقع بل هي الواقع نفسه لمن يعيشونه ويستغرقون في عالمهم اللاممكن واللامحتمل! كثيرا ما يتعرض الناس للتساؤل عندما يشاهدوا صديقا أو قريبا ينضم لآلة إرهابية مثل داعش او القاعدة أو غيرها من المنظومات الأصولية!

إن النازية لم تكن تزيف الواقع في دالة المعرفة أو الفكر، وإنما كانت تبرره على مستوى دالة الفعل وتصحح من التناقضات البنيوية لهذه الفنتازيا المستحيلة نفسها!

كانوا أشخاصا عاديين، منهم الطبيب ومنهم المعلم ومنهم المزارع بل قد يكون منهم الفنان الذي كان يعرف الدهشة والبصيرة في الحس المرهف! كيف يمكن للأيدولوجية أن تزييف الواقع كما هو المعطى الماركسي المشهور بهذا القدر؟ ما مقدار التحول المطلوب الذي ينتج المسخ البشري الذي يتنازل عن الحدس الفطري حول الخير والشر والقبيح والجميل والمعقول واللامعقول؟ 

يلفتنا سلافوي جيجك لتصور معكوس تماما لفكرة أن الأيدولوجية تزييف الواقع، فيقول أن الايدولوجية ممكنها في دالة الفعل وليس دالة المعرفة أو الأفكار! فالايدولوجية في كونها ماهية الفنتازيا الاجتماعية لا تزييف الواقع، بل هي تحقق هذا المستحيل وتبرر الواقع لا تزيفه! فالفنتازيا الاجتماعية في تصور المخيل المستحيل يحاول أن يبرر استحالة هذا الخيال عبر الأيديولوجية، ويجد مبررات واقعية لتصحيح التناقضات الواقعية بصورة تبرر لإمكانية أو احتمال هذه الفنتازيا! ولا تصبح الفنتازيا (فنتازيا fantasy) إلا إذا تمثلت الاستحالة والاحتمالية في داخلها نفسها، بالتعريف!

 ويذكر أن المعادي للسامية على سبيل المثال هو لا يعادي اليهودي الحقيقي في أرض الواقع الذي نعرفه، إنما يعادي اليهودي الايدولوجي الذي يفسد العالم في (الخيال) الذي يراه واقعا! وهذا هو جوهر الفكرة، أن الوقائع عند صاحب الأيديولوجية ليست هي ذات الوقائع التي في عالمنا، وإن كانت نفس الذوات والأحداث، ولكن (دلالاتها) مختلفة تماما!

مرت على التاريخ العديد من الفنتازيات الإجتماعية، التي عاشها الناس بإمكانهم الوجداني والخيالي واللاواعي، فنتازيا هتلر النازية التي كانت تمارس فنتازيا العودة إلى أمجاد الرايخ، المجد الألماني لأمة شعب الرايخ، الأمة الجسد الواحد التي تخشى من الطفيليات اليهودية أن تدمر حيوية ونقاء هذا الجسد المتعالي.

كانت فكرة النازية هي فنتازيا قامت على تنظير مفكري العرق الآري مثل جوزيف آرثر صاحب مقالة في تمايز وتفاصل العرق البشري! بل حتى كلن يعتقد أن الأرستقراطيين هم يفضلون العبيد والعاديين من البشر لانهم يحملون في عروقهم دماء آرية أنقى! هكذا حملت النازية حلم مجد الرايخ الثالث للشعب الألماني، فعاش في الفنتازيا الإجتماعية والتي كانت تمثل حقيقة ما فوق الحقيقة نفسها (بمفهومها الواقعي العادي)!

ولكن دائما ما تعترض الفنتازيا بصفتها تحمل دلالات اللاممكن واللامعقول العقبات الواقعية، ومن هنا يأتي ميلاد الأيديولوجية في كونها ماهية الفنتازيا الاجتماعية والقادرة على تبرير تناقضات صراع الواقع ولاممكن هذا الخيال! فكان اليهود هم هذا الامتداد التبريري لاستحالة الفنتازيا! وكانت الآلة النازية من صحف وإذاعات ومؤسسات إعلامية تجيش لتصوير اليهود كونهم هم الكائنات الطفيلية التي تلوث نقاء الأمة الألمانية وتمتص من مقدراتها وثرواتها ومكتنزاتها! فكانت الهولوكست أو محرقة اليهود التي قتل فيها حوالي 6 ملايين يهودي، وكانت الإبادات الجماعية لأسرى السوفييت والذي يقدر عددهم بحوالي 5 مليون أسير، وكان القتل والدمار والخراب والإرهاب واللاإنسانية وكل هذه اللاعقلانية! إن النازية لم تكن تزيف الواقع في دالة المعرفة أو الفكر، وإنما كانت تبرره على مستوى دالة الفعل وتصحح من التناقضات البنيوية لهذه الفنتازيا المستحيلة نفسها! 

وكذا كانت فاشية بينيتو موسوليني، غارقة في فنتازيا إعادة مجد الإمبراطورية الرومانية، فكلمة فاشية نفسها مشتقة من fascio وهي حزمة الصولجانات التي كانت تحمل أمام الحكام في روما القديمة وكانت إشارة على جبروتهم وسطوتهم وملكوتهم! وكانت الفنتازيا الاجتماعية للفاشية عبارة عن شرارة لتحرك شعوبي متجاوز لشكل المؤسسة الحديثة التي أرستها الدولة الحديثة، وكانت تهدف لجمع شمل أمة الإيطالية على إرث الأجداد.

وعندما نتطلع لبعض من كلمات الدوتشي موسوليني، حول الدين والكنيسة الكاثولوكية نجد شكلا من أشكال رفض المؤسسة الدينية في كونها تعترض هذا اللاممكن (الواقعي) عبر تعاليم المسيحية. فكان يقول: (إني إشعر بضيق في الصدر عندما سماع التراتيل الإنجيلية كما كان يتقيأ إذا ما شم رائحة بخور الكنيسة )! هنا الدين يعترض الفنتازيا الاجتماعية للفاشية عبر الفكر فيدخل في الدائرة التفسيرية للأيدولوجية، ومن هنا يجب رفضه بأبشع العبارات وأقساها! 

ولو نظرنا لظاهرة الأصولية المتوحشة، لوجدنا أنها كذلك تحمل هذه الخصائص. إن الذين أقدموا على حرق الطيار الأردني، والجهادي الذي ذبح جون كانتلي، وكذلك الذين يفجرون أنفسهم في مطارات بروكسل وأوروبا، لا يستمدون التبرير من الأيديولوجية في شكل تعليمات ونصوص إرشادية، وإن كانوا يقدمونها كتبريرات لأفعالهم ، ولكنهم يستلهمونها كتبرير لهذه الفنتازيا المستحيلة التي يعيشونها كواقع (متخيل طبعا) فتكون بمثابة أفيون يطمئنهم بهدوء حول تناقضات خيالهم هذا! 

إن مواجهة الأيدولوجية لا تتطلب مواجهتها فكريا في واقعنا الذي نعيشه، وإنما مواجهتها عمليا وفكريا في (الواقع الخيالي الاجتماعي) لحاملها!

مثل هذه الرؤية تخرجنا من ثنائية هل داعش هي نتيجة مباشرة للتراث، أو انتفاضة واعية ضد الدمار الذي يحدثه الغرب في المنطقة! هناك مناظير أخرى مثل هذا الذي نحكيه حول المتخيل الاجتماعي المستحيل (الفنتازيا الاجتماعية social fantasy).

عندما ينضم الأصوليين لداعش هم يحققون المرحلة الأخيرة فقط في هذه الفنتازيا، وهو خروجها لدائرة التفعيل. فكلنا يستمع في مجتمعاتنا عن أحلام دولة الخلافة حيث يفيض بيت المال عن حوحة الفقراء، وتمشي في ظلها الحرة لا تخشى إلا الله، ويدفع فيها الغربيون (بصفتهم أهل كتاب) الجزية وهم صاغرون!

ولو تأملنا في الأخيرة هذه لوجدناها شديدة الجاذبية للمتطرفين الأصوليين، لأن تصور الغربي بكل انتصاراته الحضارية والاقتصادية والثقافية، الذي يحمل جواز سفر يحوم به العالم، وله دولة تعامله برفق، وسفارات في كل العالم توفر له كرامة في حالة تعرضه لأذى، وهو يأتي في مشهد درامي ليقف ذليلا ويدفع جزية لأمير المؤمنين، هو مشهد يسيل له اللعاب عند الأصولي لأنه يعبر عن لا إمكانية ولا إحتمالية كبيرة للغاية!

وربما يكون هو هذا السبب الذي تفضل فيه الجماعات الإرهابية وغيرها من مجموعات الأصوليين أن يتمثلوا التراث في صورته الثقافية القديمة وليس في روحه فقط! لأنه يوفر حينها دلالة رمزية قوية تغذي الفنتازيا الاجتماعية! ويمكن احتساب مقدار تمثل التراث بصورته الثقافية.

إن مواجهة الأيدولوجية لا تتطلب مواجهتها فكريا في واقعنا الذي نعيشه، وإنما مواجهتها عمليا وفكريا في (الواقع الخيالي الاجتماعي) لحاملها!