خمس رسائل إلى مدوني الجزيرة نت

blogs-كاتب
في مقام صُنَّاع الكلمة لا يطيق القلم صمتاً عن رسائلِ بوح و مناجاة.. عن رسائل نصح و محاكاة تحملني و إياكم إلى مقام المرسِل و المُرسَل إليه ، في محاولةٍ لتجديد الأصالةٍ الى فنِّ المُراسلة الذي يوشك أن يأفل نجمه ، هي رسائل أتمنى أن تصل كل واحد منكم إلى صندوق بريده الذي أقمته سلفا في مخيلتي و الذي أتمنى أن تقيموه واقعاً حينما تصلكم هذه الرسائل وتقرؤونها لتجدوا في حروفها – التي صيغت بالحبّ – المنَّ والسلوى.
 

الرسالة الأولى …
حُضوركُم جميلْ ، ومساؤكم سَعيد، و إٍطلالتكم مشرقة إّذ تتبوءن منازلَ النُّجومِ في السماء عَنَاقِيدَ كَرْمةٍ تتدلى حَبَّاتُها داخل عقولِنا ناضجةً مَلآ ، دلالاً تصعدون على مدارج الفكر و المعرفة لا قاعدين بل ناشطين و مُحركين ما سكن من ضمائرنا و وجداننا، رافعين بيارق الفكر و الرأي و المعرفةِ بَاسقةً وإن قلَّت ، فالقلَّة في موطن الحقِّ كثرةٌ جرَّارة ، كما أن الكثرة في موطن الباطل عِهْنٌ مَنفُوش.

ما أحوجنا إلى أقلام تلمس المُهَج وتشعلها أنوارَ تضيء عتمةَ الليل الطويل و تحرك جامد الصخر من مكانه أيةً وسحراً و بيانا.

كما أفاد بها القائد العربي المسلم لجندي انبهر من كثرة حشد الروم قائلا له : " لا بل قل ما أكثر المسلمين! .. و ما أقل الروم ! " ، معلناً بذلك قلبَ طرفيّ المعادلة العددية التي قرأها الجندي بلغة الروم من اليسار إلى اليمين ، و قرأها خالد من اليمين إلى اليسار تماما كاتِّجاه كتابةِ الكلمة العربية التي نسيناها عند أول محاولة للعبور.

نعم… ما أكثر الحق ! وما أقل الباطل ! لو كنتم تعلمون..
 

الرسالة الثانية …
ما أحوجنا الى أقلام مدادها اليقين المسبق بحتمية الغلبة إذا ما نشأت تكتب ، ما أحوجنا إلى أقلام تهدم ركام الباطل بصبر زخّات المطر تنخر صلب الصوّان وبقوة جريان السيول على المنحدرات والسفوح وفي الوديان ، ما أحوجنا إلى أقلام تلمس المُهَج وتشعلها أنوارَ تضيء عتمةَ الليل الطويل وتحرك جامد الصخر من مكانه أيةً وسحراً وبيانا. 

ما أحوجنا الى أقلام تحترف قنص الباطل بكلمةٍ فتدمغه فإذا هو زاهق، ما أحوجنا إلى أقلام مستبصرة ترى الحق حقاً فتنصره وتُدمي عين كلَّ من خانه و خذله ، ما أحوجنا إلى أقلام يحركها الوعي و الفهم و الإدراك لا تَبيع حروفها و لا يُباع مدادها بخساً دراهمَ معدودةٍ نخاسةً و استرقاقاً . ما أحوجنا إلى أقلام سَرابيل تقينا حرَّ لهيب الصيف و بَردَ هجيرِ الشتاء .

فما أشد حاجتنا إلى هذه الأقلام الراقية… فمن يتقدم؟
 

الرسالة الثالثة …
تذكَّروا يا من تحملون لواء الكلمة والرأي من أنتم ومن تكونون، فأنتم لستم مجرَّدَ كتَّابٍ أو مدونينَ على صفحاتٍ بيضاء تملؤونها كلما استدعت الحاجة و طرأت المناسبة، تذكروا بأن هنالك خارج عالم الصفحات الضيق الذي غرقتم في صياغة كلماته عالمٌ فسيح من البشرية الخائف التائه الذي يحتاجكم أنتم ويستغيث بكم أنتم ، و أنهم هم الغاية المنشودة من كل ما تسطرون، فلا يحيدنَّ بكم طولُ العهد عن الغاية ، فتُفتَنون بسطوة الكلمة وبريقها و تمتليء صفحاتٌ حُمِّلتُم و حُمِّلنا أمَانتها بمشاعر الكراهية و مكر الباطل و خيلائه.
 

فاخرجوا خارج أسوار صفحاتكم المنمقة إلى عالم أكثر تعقيدا وأوسع أفقا ، واجعلوا من هذا الكون الفسيح كتابكم الكبير و اخلعوا نعالكم في حضرته و قداسته كي تنهلوا منه المعارف والعلوم ، جاعلين لهذا الكتاب مصراعين من الحبّ : حب التعلم و حب الناس، هكذا فقط تكونون أنتم لا غيركم ، وتعيشون في عالمكم الحقيقي لا عالم صفحاتكم الافتراضي.

فالحب مفتاح بوابات المعارف و مداخل قلوب البشر… فهل تفعلون؟
 

الرسالة الرابعة …
هل جربتم أن تمتلكوا في أعماقكم روحاً ثائرة على كل أشكال الجهل و الظلم و الضعف و التخلف؟ وأن تثوروا بها أول ما تثورون على ذواتكم و أنماطكم و هواجسكم وأن تتمردوا بها علينا وعليكم تمردا نبيلا ، فتعبروا بنا من خلالكم إلى مستقبل أجمل لا يشبه أبداً الواقع الذي نعيشه نحن ولا أنتم، أم هل جربتم أن تحلموا أحلام يقظةٍ نكون فيها سوياً أبطالاً لا ضحايا..

لطالما كانت أنصاف الحقائق جهلٌ و ضياع وأنصاف المعارف بؤسٌ و خيبة ، فكم من حقائق تلوثت بالشبهات فجَرَّت معها الحسرات و الويلات للبشرية جمعاء.

فرساناً لا خائرين ننتظر صلاحا أو عمر يخرج فينا ؟ بل هل جربتم أن تمتلكوا روح الجرأة بأن تخلخلوا بنا وبكم المدى؟ وتفتحوا لنا أبوابَ قطُّ لم تفتح وعوالمَ قطُّ لم تُسبر معالمها لنبحث فيها عن نجاحاتنا الضائعة و انجازاتنا المدفونة تحت ركام الظرف الذي لا يسمح والتسويف الذي ليس له مدى، وأن تمحوا من أمامنا كل ما بدا لنا أو لكم قدراً محتوم أو نتيجةً لا مفرَّ منها ، لعلنا بأحرفكم الصادقة نخرج من وهم الفشل و ذرائعه المملة .

هل جربتم ؟ أم أنكم قد مللتم التجربة و سئمتم طول التحديق في النجوم ؟
 

الرسالة الخامسة …
لطالما كانت أنصاف الحقائق جهلٌ و ضياع ، وأنصاف المعارف بؤسٌ وخيبة ، فكم من حقائق تلوثت بالشبهات فجَرَّت معها الحسرات والويلات للبشرية جمعاء ! وكم من حقائق طمرت في رمال الباطل و أنكرها كاشفوها ! فلا تحاربوا أبداً شيئا لم تفهموه بعد تماما، بل استيقنوا تماماً من كل نبأ تأخذون و إن بدا لكم سائغا أو مقبولا في سياقه ، كي لا تكونوا أدوات للطامعين بخيرات أوطانكم أو مطية لتحقيق رغباتهم ونزواتهم بفتح عقولكم للشائعات والخرافات الدسائس دونما تمحيص.
 

فكونوا أقلاما حرة تكتب بقيود العلم والمعرفة والضمائر الحية ونبذ التقليد والخرافة والانغلاق، فهكذا فقط تجعلون منا ومن أنفسكم نجوما تضيء الليل الحالك وتدل التائهين على مقاصدهم.