شعار قسم مدونات

بعد ست سنوات حصلت على ضالتي!

blog مكتبة

ست سنوات مضت وانقضت وأنا في بحثٍ دائم عن ضالتي، لم أكف عن السؤال عنها ليل نهار طوال السنوات الستة الماضية، بحث دؤوب ومستمر شارك فيها أعز أصدقائي وأقاربي وكل من لهم صلة معي، ساعدوني وشمّروا سواعدهم للبحث عن ضالتي المفقودة، التي تعلّق بها قلبي كتعلق الحبيب لمعشوقته مذ أن قرأت تقريرا أشعل في داخلي شرارة البحث عن ضالتي عام 2010 من المواقع الإلكترونية العربية.

ضالتي التي استنزفت مني الوقت والجهد معا هو كتاب يحمل عنوان "يوميات من القرن الأفريقي"للكاتب: علي العمودي الصحفي بجريدة "الاتحاد" الإماراتية، لا أعرف حتى اللحظة لماذا هذا الكتاب -بالتحديد- علّق على ذاكرتي دون غيره من سائر الكتب؟!.
 

أعيش داخل الصومال حيث تنعدم فيه كل الخدمات، ومنها: خدمة توصيل الكتب، أما المكتبات الثقافية فقليله ولا تشفي الغليل.

مرّت علي كتب ومراجع متخصصة حول الصومال، أميل نحو بعضها،لا يدوم حبي واعتزازي، سرعان ما أنسى عناوين بعضهم وسط زحمة العمل والمشاغل اليومية، وتستحضر بعضهم ذاكرتي على الرغم من مرور سنوات لا يفارقونني لحظة،لعل السر في ذلك عائد -ربما- لتقيّيم شخصي لا يخلو من عاطفة.

وكتاب "يوميات من القرن الأفريقي" سيطر على وجداني،عقدتُ العزم في الحصول على نسخةٍ منه،كل محاولاتي في الاقتناء به ذهبت أدراج الرياح،وحده الفضول والرغبة العارمة مكّنناني من الحصول عليه، بعد أن استنفدتُ طاقاتي في عملية تمشيط نادرة وتاريخية وملحمة بطولية في الحصول عليه. 

أعيش داخل الصومال حيث تنعدم فيه كل الخدمات، ومنها: خدمة توصيل الكتب، أما المكتبات الثقافية فقليله ولا تشفي الغليل، واجهتني صعوبات جمة أثناء رحلة بحثي المضنية عن الكتاب المعجزة،طرقت أبواب المكتبات في البلدان العربية التي زرتها كالسودان وعمان والكويت وجيبوتي وغيرها، جميع مكتباتها لم تعثر على ضالتي.

 

أدركتُ أن الصومال تتعرض لإهمال ثقافي ممنهج تماماً مثلما نتعرض لإهمال سياسي من قبل إخواننا العرب، دور النشر في الوطن العربي لا تهتم بالمحتوى، تجد بين أرفف مكتباتها مراجع فارغة المحتوى حول الصومال، وتحمل عناوين برّاقة وجاذبة، الهدف منها هو الحصول على مبيعات أكثر،دونما أي اعتبار لقيمة النص والمعلومات الواردة في ثنايا الكتاب. 

كنتُ أحلم بأن يوماً ما سأظفر بالكتاب؛ ليقيني بأن الاجتهاد مهما كان قدره ستتحقق نتائجه المرجوة، وأن الكتاب سينضم ضمن قائمة كتبتي المفضلة، ولي اهتمام خاص بكل ما يُكتب عن الصومال؛ خاصةً عندما يتناول شأنها كاتب غير صومالي، لأنه أقرب إلى التجرّد في حال لم تحركه دوافع أخرى، حينها تكون الكتابة مجرد حبر على ورق.

خلال هذا الشهر أهدى لي شاب صومالي كتاب آخر يتناول الشأن الصومالي،وفي قضية حسّاسة كان من المفروض أخذ الحذر والحيطة عند تناولها، لكن الكاتب كانت تُحرّكه دوافع أخرى بعيدة عن جوهر البحث العلمي وسقط كاتبها من عيني، أما ضالتي التي وجدتُها فلم يخني حدسي منذ البداية، وإن كان هناك بعض المأخذ على الكتاب، فإنها لا تخرج في سياق زلة المجتهد، ستعقبها -على ما أعتقد- تدارك من قبل المؤلف في الطبعات القادمة.
 

تفهم مؤلف كتاب يوميات من القرن الأفريقي طلبي وبعث لي عبر البريد نسختين من الكتاب، مع إهداء بخط يده، ليحقق لي أمنية انتطرتها لسنوات.

هناك دروس استفدتُ منها أثناء رحلة بحثي عن كتاب"يوميات من القرن الأفريقي" يتمثل في أولى نقاطها: بأن مكتباتنا العربية لا تتفاعل مع القراء، ولا تولي لهم اهتماماً، ولا ترد لهم عن ايميلاتهم، هناك مكتبات كبيرة ومحترمة في عالمنا العربي تواصلت معها بخصوص هذا الكتاب وحتى تاريخ كتابة هذه المدونة لم تكلف مكتباتنا ودور نشرنا نفسها عناء الرد، ويكاد يكون تجاهل رسائل القراء والمهتمين أمر شبه كلي عند مؤسساتنا العربية، لا قيمة عندهم -على ما أعتقد- فيما يرد لهم من القراء، عناوين الاتصال المكتوبة على مواقعهم الإلكترونية مجرد ديكورات وشكليات لا يهتم بها أحد.

 

لأجل ذلك رفضت طلب المؤلف علي العمودي عندما قال لي تواصل معي عبر الإيميل، قلت له:لا يمكن، لأنني بعثت لك رسائل كثيرة خلال سنوات الستة الماضية عبر البريد الإلكتروني العمومي لصحيفتكم الموقرة، فلم اتلق منكم رداً مقنعاً ولو ببضعة أسطر، وقصة حصولي على هاتفكم العمومي دونها الجهد والمال.

تفهم المؤلف -مشكوراً- طلبي وبعث لي رقم هاتفه الشخصي للتواصل معه، وبعدها بيومين بعث لي عبر بريد الإمارات نسختين من الكتاب، مع إهداء بخط يده، ليحقق لي شخصياً أمنية لطالما انتطرتها سنوات.

إن قيمة أي منتج ثقافي تكمن في مدى مصداقيتها وتفاعلها مع الأحداث، وكتاب "يوميات من القرن الأفريقي" هو تأريخ للحظة زمنية مهمة وفارقة من صفحات تاريخنا الصومالي، فهو رحلة صحفي عربي مغامر يعايش فترة زمنية لها خطورتها ويرمي بنفسه وسط معمعة صراعات دامية في بلد عربي، ليظفر في النهاية دروس وعبر استخلصها من واقع عمله الصحفي.

أما بالنسبة لي شخصياً فيمثل الكتاب كنزا ثقافياً ومنارة تضيء لي الطريق،فلسنا حالياً بصدد تقييم وعرض للكتاب، بقدر ما ثمثل تدوينتي احتفاءً بالحصول على كتاب كان شغلي الشاغل فيما مضى من سنوات.