نحو وطنية مصرية جديدة أو بديلة!

blogs - falg - egypt
ذات يوم كنت أركب سيارة مع صديقين مصريين غضبا مني لأني لم أشاهد كلاسيكيات الأفلام المصرية القديمة وفاتتني مباريات كرة قدم هامة لا يجب أن تفوت مصري عاش جل عمره في بلده، واعتبرا هذا قدحاً خطيراً في مصريتي لا يمكن تجاوزه ولا السكوت عليه!

ولك أن تتخيل عزيزي القارئ أني قضيت الطريق معهما أجادل في حقي بأن أكون مصرياً رغم هذا "العيب الوطني الخطير">!؛ اخبرتهما أني أعرف عن المصريين أشياء لا يعرفها أحد منها على سبيل المثال أن لدي إجابة معقولة لهذا السؤال المستحيل عقلاً ومنطقاً: كيف يدبر المصريون البسطاء حياتهم الاقتصادية رغم الفقر والبطالة والغلاء ؟!
 

في مصر تتساكن عوالم متداخلة ومتوازية وأكوان مختلفة تتعايش الحيز الجغرافي ذاته لكنها تأتي من عوالم زمنية متعددة وحقب مختلفة، جغرافيا واحدة وتواريخ متعددة إذ يمكن أن تنتقل عبر الزمن عدة مرات في مسافة قصيرة تقطعها بسيارتك في دقائق معدودة تنقلك بين أمصار مختلفة تعيش كلاً منها زمنها وحياتها ومجتمعها وقيمها وأحلامها الخاصة، هذه هي مصر المتنوعة التي تسع كل هؤلاء وأكثر​!

كانت الوطنية المصرية المناضلة دوماً منفتحة على مجالاتها الحيوية أفريقياً وعربياً ومتوسطياً وإسلامياً وإنسانياً قبل أن تدخل عليها أسئلة التحديث المشوه المربكة التي لم تسلم من آثارها مجتمعات العالم المسلم كافة، بينما النسخة الفاشية من ادعاء الوطنية المصرية خاصة المرتبطة بنظام حكم عسكري استبدادي كانت دوماً ضيقة الأفق للدرجة التي تحصر هذه الأبعاد والمجالات والانتماءات المتعددة في رؤيتها الخاصة لدولة عسكرية تملك الاقتصاد والسياسة والمجتمع والدين والدولة وتعتبر الخروج عن صيغتها الاستبدادية في الحكم خيانة وعمالة!

ترى الفاشية الوطنية في التعدد والتنوع تهديداً لها فتسعى لتوحيد المجتمع تحت ظل الحاكم الفرعون!، وبينما نشأت الوطنية المصرية منفتحة ومتسامحة رغم نضاليتها ضد الاستعمار والاستبداد في عهد مصطفى كامل

وعبر ادعاء هوية فرعونية سابقة على الانتماءات الثقافية والحضارية والجغرافية لمصر يستدعي الحكم العسكري هذه الصيغة الفاشية الضيقة من ادعاء الوطنية ليبرر قطع الروابط كافة بما يحمي استبداده من عدوى الحرية بينما لا يتردد لحظة واحدة في التحالف مع أنظمة الثورة المضادة وحتى الاحتلال الإسرائيلي ليجمع بين نوعي الانحطاط بالتخلف عن الأفكار التقدمية التنويرية التي ادعتها -كذباً- ​نخبته المدنية الفاسدة، والتخلف عن الأفكار الدينية الإصلاحية التي ادعتها ​-كذباً- ​نخبته الدينية الفاسدة، هكذا تكتمل الصورة بحلف الأزهر والكنيسة ودار الإفتاء ​والمثقفين التنويريين! ​وأنظمة الثورة المضادة مع كل التناقضات المزعومة فيما بينها لمواجهة الثورة والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعب في اختيار من يحكمه، بينما الحاكم العسكري الجاهل لا يهمه كل ذلك في شيء ما دام يملك كل مجالات السياسة والاقتصاد والمجتمع تحت مظلته العسكرية، فلا يهم أن يخرج "لواء أركان حرب مدير المتاحف الحربية" ليخلط بثقة متناهية وبلا أي شعور بالارتباك بين صلاح الدين وقطر ورمسيس الثاني بفارق حوالي خمسة وعشرون قرناً من الزمان ويجعل حطين معركة فرعونية انتصر فيها الفراعنة على الحيثيين !! بينما المذيع يتمتم على كلامه في لحظة معبرة عن عدم اكتراث بالناس والتاريخ والحقيقة وماء الوجه وكل شيء !

تعد الفاشية في أحد أكثر أوجهها شيوعاً تعبيراً متطرفاً عن وطنية إقصائية وقومية متشددة ترى أن دولة شمولية أو نظام سلطوي يعيد تنظيم المجتمع لمبادئ تقررها السلطة المستبدة، ويلخصها موسوليني بالقول إن إرادة الشعب ليست الوسيلة المناسبة للحكم (مثل النظم الدستورية والديمقراطية) ولكن الوسيلة هي القوة التي تفرض القانون!

وتعتمد النظم الفاشية على خطابات وطنية متطرفة وعنصرية تستفيد من الأزمات الاقتصادية بوعود الإنقاذ واسترداد الكرامة الوطنية وتعسكر المجتمع والدولة وتعبد الشعب للحاكم وبالطبع فإن الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تنتهي في ظل النظم الفاشية بما في ذلك حرية الحركة أو السفر للخارج!

​ألا يشبه ذلك ​تماماً ​سياسات وخطابات نظام السيسي وعصابته عن الوطن والدولة والمجتمع في ظل حكم مطلق غير دستوري ومصادرة للحريات وحقوق الإنسان والصحافة والإعلام وقتل المئات وسجن الآلاف؟!

ترى الفاشية الوطنية في التعدد والتنوع تهديداً لها فتسعى لتوحيد المجتمع تحت ظل الحاكم الفرعون!، وبينما نشأت الوطنية المصرية منفتحة ومتسامحة رغم نضاليتها ضد الاستعمار والاستبداد في عهد مصطفى كامل بالأخص الذي كان يؤمن بالمسألة الشرقية كقضية متصلة تتضمن أبعاد مصرية وعربية وأفريقية وإسلامية ضمن دوائر انتماء متعددة تبدأ بوادي النيل ولا تنتهي بالجامعة الإسلامية التي تضم شعوب المسلمين في مواجهة مشاريع الاستعمار بالاستناد للانتماء الإسلامي كإطار نضالي يحمي المجال العثماني من الغزو الأوروبي.

قاد مصطفى كامل حركة إصلاحية وطنية كبيرة ضمن الخديوية المصرية والدولة العثمانية ولم يشعر بتناقض بين انتماءاته المصرية والعربية والإسلامية والشرق أوسطية والعالمثالثية ، كانت الانتماءات متكاملة ومتداخلة وتدعم بعضها البعض ، كان الاستقلال حاضراً في مشروع الوطنية المصرية الذي قاده مصطفى كامل بينما افتقدناه أحياناً في خطابات ثورة 25 يناير التي كان البعض حريص على جعلها ثورة محلية خالصة -بالمعنى الضيق- غير متأثرة بمحيطها العربي والإسلامي والإنساني ؛ وللأسف فإن الثورة المضادة ادركت هذه الأبعاد جيداً فجائت موجتها إقليمية ومتزامنة ومنسقة جيداً بينما غابت الأبعاد الإقليمية والدولية عن الثورات فكانت مفككة ومقسمة على أسس محلية قاصرة!

نكمل مع مصطفى كامل وتجربة المعارضة المصرية في الخارج في جزء ثاني​