لماذا نصوّر؟

blogs - photograph
أذكر مرة كنت أصور فيها منظرا طبيعيا اعتياديا في إحدى مناطق اسطنبول، فسألني حينها صديقي باستنكار ونزق: لماذا تصور؟ ما الفائدة من أن تصور كل هذه الصور لمشهد ترى شبيهه الكثير في الأسبوع الواحد؟ وأذكر أنني حينئذ حرت إجابة مباشرة لسؤاله المفاجئ.
وأكاد أجزم أن أي ذي هوى بالتصوير الفوتوغرافي قد تعرض لسؤال مشابه لهذا السؤال: ما الذي ترتجونه من الوقوف فترات ربما تجاوز ربع الساعة أو أكثر أمام مشهد ما مميز كان أم لم يكن، وشرودكم المستفز عمن هم حولكم، تقفون وتنثنون وتنقلبون، ثم تعيدون الكرة مرات قد تجاوز الخمسين في سبيل صورة فقط! ما "قلة العقل هذه"؟

والحقيقة أن هذا السؤال على الرغم من وضوحه وعفويته، إلا أن الإجابة عليه بدت لي صعبة فعلا وتحمل بعدا عميقا يعسر تسطيحه بإجابة مباشرة، إنه سؤال فلسفي ووجودي بامتياز، وهو ذاته سؤال: "مالغاية من الفن؟ " في إحدى صوره. ولكن، بدل البحث عن إجابة في الكتب أو الدراسات عن سؤال "لماذا الفن؟" آليت أن أبحث في أعماق نفسي عن جواب، وارتأيت أن ذلك سيكون أكثر جدوى وصدقا، إذ أن منطلق الأمر في الأصل، هو روح الإنسان وحسه، فأردت أن أفهم ذاتي أكثر من خلال السؤال.

لا داع للحديث عن الثورة التي أحدثها اختراع التصوير في المجال الإعلامي، وعن أهمية الدور الذي لعبته الصور في التوثيق وصون ذاكرة الإنسان وتسهيل أعماله في كافة الأعمال والاختصاصات، وهذه غاية واضحة ومفهومة للتصوير، ولكن السؤال هنا يستفهم عن جانب محدد، ما الغاية من التصوير الفني والجمالي؟

إن المصور يجد في الصورة راحة، ويجد فيها لغة، ويجد فيها معنى، وقيمة الصورة الحقيقية عند المصور -الشغوف لا الممتهن-، لا تكمن في مدى دقتها ومقدار سعر الكاميرا التي تلتقطها، وإنما في المعنى الذي يشكله من الصورة التي يقتنصها، إن في مجموع تفاصيل الصورة من زاوية وسطوع وشحوب وإضاءة وألوان وحركة وسكون ووضوح وتمويه وقرب أو بعد، في كل هذه التفاصيل، يكمن معنى ما في ذهن المصور كون الصورة على شكلها الذي تتخذه، وقد يحدث أن يغيب المعنى بهذا الوضوح في إدراكه، إلا أن ما لا شك فيه أنّ شيئا ما من جوانيته وحسّه وعاطفته ينسكب داخل هذا الإطار بشكل ما يكتنفه الغموض.

إن ضوء النجم البعيد الذي اكتشفه العلم كان موجوداً قبل اكتشافه، أما الضوء الذي يلقيه الفن علينا، فقد أبدعه الفن بنفسه في اللحظة نفسها.

يقول علي عزت بيجوفيتش في كتابه الإسلام بين الشرق والغرب، في مطلع حديثه عن المقارنة بين العلم والفنّ، والفنّ في هذا السياق كان رديفاً للدّين:
"حيثما ظهر العلم، فإنه يكتشف المتماثل، المتناغم، الساكن الدائم، أما الفنّ، فهو "نشوء جديد على الدوام".. العلم يكتشف، أما الفن فيبدع. إن ضوء النجم البعيد الذي اكتشفه العلم كان موجودا قبل اكتشافه، أما الضوء الذي يلقيه الفن علينا، فقد أبدعه الفن بنفسه في اللحظة نفسها. فبدون الفن، لم يكن لهذا الضوء أن يولد. العلم يتناول الموجود، أما الفن فهو نفسه خلق، إنشاء الجديد. العلم دقيق، أما الفن فصادق."

قد يحدث فعلاً أن يعيد المصور التقاط مشهد ما قد التقط مثيله من قبل كثيراً، إلا أنه من الخطأ أن يعاب عليه ذلك، فإن عمل المصور الشغوف ليس عملا توثيقيا يتطلب أكبر عدد من الصور لمختلف الأشكال والمواقع والمعالم، وإنما قد تكفيه صورة غصنٍِ واحدةٌ من جولة في واد عظيم، تطرب لها دواخله وتكتفي بها نفسه، وقد يقف أمام البحر لا يكفيه منه مئة صورة قد تبدو متماثلة لينتقي منها واحدة يرى فيها اتساقا للموج معيّنا يعجبه، وإعادة التقاط الصور ذاتها بين فترة وفترة ليس تكرارا مملا عند المصور وإن رآه بعض الناظرين كذلك، إنما هو دافع عنده جديد ومعنى جديد، ورغبة مختلفة عن سابقتها، والأمر ذاته عند عرض الصورة ذاتها بألوان أو إضاءة مختلفة، فإن الأمر يخضع لتلك العوامل التي تنبع من خيالات المصور ونفسيته.

إنّ مهنة التصوير ليست مهنة صعبة، والصّور الإحترافية لاتحتاج أكثر من مبلغ مالي جيد ودورة من ثلاثة أيام، لكنّ فنّ التصوير فنّ صعب، ولا يحسن إتقانه من لم يجد في داخله ركيزة من حب له وأصلا،وإن هذا العامل كما أرى يجب أن يكون في صدر سلّم الأولويات عند تقييم المصوّر. بل إن تعلم قواعد التصوير بالنسبة لمن يحمل عيني الفنان في رأسه، هو أمر شكلاني ولايحدث ذاك الأثر الكبير في تغير أداءه.

إن التصوير لغة، والصور دائماً تقول شيئاً ما.

والرغبة في التصوير أو في ممارسة أي فن -والتصوير هنا شبيه الرّسم وإن كان الرّسم يكتنز حسّا أكبر وفنّاً أصدق-، هي جزء من رغبة الإنسان الفطرية في التعبير عن ذاته وإبراز بصمته وتخليد أثره، وهي كذلك بالفعل، جزؤه المميز وحيزه الحر، -فالصورة التي يلتقطها أحدهم مقلداً بها مصورا ما تبقى في داخله ناقصة ولا يسلم من وخزها-، وهي رغبة أصيلة في الإنسان -رافقته منذ وجوده-لا طارئة عليه، تعبر عن خصيصة أساسية من خصائص النفس الإنسانية، عن الطاقة الهائلة التي تحملها من الخيال ونزوعها إلى الغيب والتمرد على الظاهر المادي.

وبعدما قيل، عندما أعود إلى السؤال الذي كان في البدء، "لماذا تصوّر؟"، أسمع للسؤال أصداءاً كثيرة، وأشعر أن استفهامه مايزال قائماً لم يجب عليه، وهذا كما أرى أصح وأجمل.

إن التصوير لغة، والصور دائما تقول شيئا ما..