حلب تحترق.. وشيوخ تويتر وفيسبوك

حلب تباد

حلب تُباد وتحترق، مرت أيام على حلب لم ينم أهلها من الرعب والخوف من قصف الطيران الروسي والسوري، مئات القتلى والجرحى ومعظم المشافي في حلب أصبحت قاعاً صفصفا بفعل القصف والتدمير الممنهج وزاد الطين بلة الحصار الجائر الظالم لأكثر من 250 ألف من الحلبيين في المدينة لا دواء ولا طعام لديهم.

تتفتت الأكباد وتعتصر القلوب حزناً وكمداً على حال أهل حلب وما يحدث لهم وبينما حلب وأهلها على هذا الحال تجد بعض من يسمون أنفسهم علماء ودعاة وكأني بهم يعيشون في غير عالم أو أنهم من أصحاب الكهف لا يدرون شيئاً عن ما يحدث في حلب.

ما بال بعض شيوخ ودعاة اليوم لا يهتمون بأمر الأمة.. لم يطلب منهم النزول للميادين فقط أن يشعروا بما تمر به الأمة

"لا تحزن على ما فاتك لعل الله يخبئ في الأقدر شيء يفاجئُك به"، "سبحان الله وبحمده: عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته"، "أن الكلمة الطيبة صدقة، والبسمة صدقة، واللقمة صدقة، وشربة الماء صدقة، وكف الأذى عن الناس صدقة" هذه عينات من صفحات من أتحدث عنهم على مواقع التواصل الاجتماعي وهي مليئة بمثل هذا الكلام.

لا تجد في صفحاتهم شيئاً عما يحدث في حلب، ولا تجد لأنات الثكالى واليتامى والمقهورين مساحةً في صفحاتهم، وكأن من يُقتل هناك ليسوا مسلمين وليسوا من هذه الأمة. هؤلاء الدعاة والشيوخ مثلهم كمثل الذي مر برجل يقتل رجلاً آخر فلم يسعى لإنقاذه وحتى لم يقل للناس تعالوا أنقذوا هذا الرجل وخلصوه من براثن الموت والقتل بل قال: انظروا الى الأشجار الجميلة والطبيعة الخلابة حولكم.

أو كمن جاء إلى الرجل الذي سيُقتل فقال له: قل سبحان الله 100 مرة تدخل الجنة! وأنا هنا بالطبع لست أقصد كل الشيوخ والدعاة فمنهم من وقف وأيد الحق ونصره، ولكنني أقصد فئة محددة منهم وليست غايتي هنا للاستخفاف بالتسبيح والتهليل والاستغفار وحث الناس على فعل الخيرات لأن الله تعالى قال " ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب".

لكني أقصد الحديث عن توقيت هذه الأمور، فالتوقيت الحالي هو لتحريض الناس على نصرة إخوانهم في حلب وإن كان بالدعاء فقط وليس لمثل ما أوردت من أمثلة سابقة من صفحاتهم، قال أحد السلف "من نزل بأرض قد تفشى فيها الزنا فحدث الناس عن حرمة الربا فقد خان".

والنبي صلى الله عليه وسلم  لم يكن يجلس في بيته ويقول للناس سبحوا الله مئة مرة عند اقتراب غزوة أو قتال، بل كان يلبس يتقدم صفوف المسلمين ليحرضهم على القتال وليجاهد معهم ثم بعد ذلك يأمرهم بالتسبيح والتكبير لله وطلب النصر منه.

ولم يجلس شيخ الإسلام ابن تيمية يحدث الناس عن عذاب القبر وحياة البرزخ حين غزا التتار بلاد المسلمين، بل تقدم الصفوف في معركة شقحب وقال للمسلمين قولته الشهيرة: "إذا رأيتموني في ذلك الجانب (أي جانب العدو) وعلى رأسي مصحف فاقتلوني".

نكبة الأمة ببعض علمائها ودعاتها لا تقل أبدا عن نكبتها بمصاب أهل حلب وما يحصل لهم من مجازر وإبادة جماعية

وعلى مثل هذا سار العلماء الحقيقيون كالعز بن عبد السلام الذي سُمي سلطان العلماء وغيره كانوا يركبون جيادهم حين قدوم المعارك وينطلقون لتحريض المسلمين ونصرة المظلومين، فما بال بعض شيوخ ودعاة اليوم لا يهتمون بأمر الأمة ونوازلها التي هي كالصواعق، لم يطلب منهم أحد أن ينزلوا الى الميادين ليقاتلوا بل فقط أن يشعروا بما تمر به الأمة وأن يقولوا كلمة الحق وأن ينتصروا لهؤلاء المظلومين في حلب ولو بدعاء أو كلمة.

أهل حلب وسوريا بشكل عام قالوا منذ بداية الثورة "مالنا غيرك يالله" وكأني بهم عرفوا ما سيحدث في المستقبل، لم يطلبوا شيئاً مما يسمى بالمجتمع الدولي والأمم المتحدة، فهؤلاء متآمرون أصلا، ولم يطلبوا شيئاً من الحكومات العربية، فالطلب من الأموات لا يُجدي نفعاً ولكنهم كانوا يظنون بالعلماء والدعاة خيراً كي يقولوا كلمات تواسي جراحهم وتساعدهم على الصبر والثبات ولكن حتى هذا لم تحدث.
 

يقول الشاعر الباكستاني محمد إقبال:
"فإلى متى صمتي وحولي أمـةٌ
يلهو بها السلطان والدرويشُ
هذا بسبحتـه وذاك بسيفــــه
وكلاهما مما تــكدُّ يعيش"

اليوم بغداد وحلب وغدا دمشق وبعد غدٍ ما بعد دمشق، فلم يعد الصمت ممكنا إزاء هذه الجرائم التي تحدث في حلب، وإن نكبة الأمة ببعض علمائها ودعاتها لا تقل أبدا ًعن نكبتها بمصاب أهل حلب وما يحصل لهم من مجازر وإبادة جماعية للأطفال والنساء والأبرياء.

ألا لا بارك الله بعلمٍ لا يقف مع هموم الأمة وينتصر لمستضعفيها ويمنع الظلم عنهم، ولا بارك الله بعلماء ودعاة لا يصدحون بقول الحق. وكيف سيقف هؤلاء العلماء والدعاة يوم القيامة أمام الله وهو سائلهم يومها : لماذا لم يجهروا بالحق أمام ما تتعرض له الأمة ولماذا لم ينتصروا للمظلومين؟ فليُعدوا يومها للسؤال جوابا إن استطاعوا.