مات أبي

مات أبي، في سوريا، البلد الذي أصبحت مأساته بحجم العالم، وبجغرافيته الصغيرة التي صار يحكم كل بضعة أشبار منها فكرٌ معينٌ، أو نوعٌ آخرٌ من الأسلحة، وبتاريخه العريق الذي اختصره العالم المتحضر بجملة (الحرب الأهلية)، في هكذا ظروف تتضخم المأساة ويصبح مقياس (النانو) حاضراً وبقوة، إنما على عكس المنطق يرى الجميعُ كلّ تفاصيله.

كل نانو موت، أو نانو دمار، أو نانو تهجير، أو نانو لجوء، يمكن رؤيته بالعين المجردة لتشكل بمجملها اللوحة الكاملة للاكتشاف المذهل للقرن الجديد، وحتى للألفية الجديدة (إعادة خلق سوريا)، كأن كل الحضارات السابقة التي تعاقبت على بلدي الجميل، لم تعرف كيف تبنيه منذ الألف الثامن قبل الميلاد، حتى وصول مبدعي الدمار في القرن الحادي والعشرين.

أبي السبعيني، الذي عاصر محاولات عديدة لهيكلة هذه الجغرافية وإعادة صياغة هذا التاريخ من قبل خروج الاحتلال الفرنسي، إلى فترة دول الأربع وعشرون ساعة، إلى دول التسعين يوما، إلى دول القمع بالحديد والنار، كل هذه الدول عاصرها أبي، إنما لم يكن يخطر بباله يوماً أنه سيأتي يومٌ ويرى فيه بلده يتآكل، بلده التي كان يتجول فيها من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، بدون أن يطلب منه الإفصاح عن عرقيته أو دينه أو مذهبه، كان سورياً بامتياز.

أبي لم يغادر سوريا يوماً، لم يكن يرى حاجة إلى ذلك، لديه أرضه ومنزله وأولاده، لديه أصدقاءُ بحجم الدنيا بالنسبة له، غرباً على الساحل الأزرق الجميل، وجنوباً حيث اللون الأخضر يغطي الكون، وشرقاً حيث التقاء أشعة الشمس مع أرض بلده الذهبية اللون والقيمة، وشمالأ حيث ولد، حيث أباؤه وأجداده يرقدون بسلام.

لم يكن يخطر على باله أبداً، أنه وخلال رحلته الأخيرة ستتغير البوصلة والاتجاهات، وسيصبح اتجاه رحلته من الرقة، وما أدراك مالرقة في هذه الأيام، إلى دمشق الياسمين، سيكون الاتجاه شمالاً وليس جنوباً كما كان معتاداً هو بنفسه أن يسير، ولم يكن يخطر بباله أنه سيمر بثلاث دول حتى يصل إلى وجهته، وأنه في آخر رحلة له سيطلب منه اثبات مكان ميلاده حتى يسمح له بالعبور من الدولة التي تحكم باللون الأسود بضعة أشبارٍ من الرقة، إلى دولةٍ أخرى تحكم باللون الأصفر بضعة أشبارٍ في الشمال، لينطلق من هنالك من منطقة يحكمها اللون الأحمر الدامي إلى دمشق، ألم أقل لكم أنه أصبحت القياسات بالنانو.

لم يستخدم أبي جواز سفره مرة واحدة، إلا أن رحلته الأخيرة أجبرته أن يجيب عن عرقيته ودينه، وهو ما كان ينبذه دوماً.

لم يقدر له (رحمه الله) أن يصل إلى وجهته الأخيرة، ففي أثناء العبور من اللون الأسود إلى الأصفر، والدخول إلى مخيم اللاجئين، والتأكد من أن مكان ولادته قبل سبعين عاماً ونيف، كان شمالاً، تم السماح له ولمرافقته الغالية التي ظلت ملازمة له طوال ستة وأربعين عاماً، تم السماح لهما بالعبور إلا أن الله سبحانه وتعالى اختار له أن تفارق روحه ذلك الجسد المتعب في أرض صفراء، ويتم دفنه بجانب والده وأجداده.

مات أبي، لم يرض أن يستخدم جواز سفره مرةً واحدة، إلا أن رحلته الأخيرة أجبرته أن يجيب عن عرقيته ودينه، وهو ما كان ينبذه دوماً. مات أبي ولم يكن يخطر بباله يوماً أن يكون تنفيذ وصيته الأخيرة بأن يدفن بجانب آبائه وأجداده، سيكون عن طريق جواز سفر، وإن لم يكن هذا الجواز ورقياً وإنما إثنياً، مات أبي وهو حاقد ٌعلى كلّ من صنع هذه المأساه، مات أبي دون أن يرى أولاده في بلاد الشتات، موزعين بين ثلاث دول.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

واصلت طائرات النظام السوري وروسيا غاراتها على مدينة حلب، وزادت من جراح المدينة التي ودعت مئات من أبنائها، وباتت مستشفياتها غير قادرة على التعامل مع الأعداد الكبيرة من الجرحى.

الأكثر قراءة