زواج الونس!

قبل عدة سنوات عملت بإحدى المراكز الطبية ونظراً لطبيعة المدينة التي وجد فيها ذلك المركز، فإن نسبة كبيرة من المرضى كانوا من فئة كبار السن ممن تتجاوز أعمارهم الثمانين عاماً، ولكن المميز في الموضوع أنهم كانوا دائماً يحضرون إلى العيادة كأزواج. 
 
دائماً ما كان يلفت نظري منظر رجل وامرأة أميركيان يتمشيان صباحاً أو مساءاً ممسكين بأيديهما في حميمة وحب وكأنهما في العشرين، دائماً كنت أسأل نفسي عن سر ذلك الحب وتلك العلاقة التي من الممكن أن تستمر حتى خريف العمر.

إلا أنني وبعد عملي في تلك العيادة وتعاملي مع عدد كبير منهم علمت أن هؤلاء يُكونون علاقات جديدة وهم في آخر العمر فمنهم من تربطهم علاقة زواج و آخرين علاقة صداقة ومساكنة للشعور بالأمان والونس وحتى يمنح بعضهم الآخر القدرة على الاستمرارية في الحياة بعد أن فقدوا شركاء حياتهم وتفرق أبنائهم في الحياة ورمت بهم الحياه وحيدين على شواطئها.

لم يدم عملي في ذلك المكان طويلاً كانت محطة عابرة في حياتي إلا أنها تركت في نفسي أثراً لا ينسى، وجعلتني دائمة التساؤل عن حالنا كعرب .

مشكلتنا الأساسية عند الحديث عن الزواج أننا نربطه بعمر معين نشغل أنفسنا بالتفكير بالمستقبل أكثر من الحاضر نؤمن بالقضاء والقدر ونتنكر له عند الحديث عن الزواج الذي نربطه برقم معين

ففي حالتنا نحن العرب نجد أن حياتنا مرسومه بالمسطرة تماماً كخط الأعداد في الرياضيات ولكنها بنهاية يرسمها ويشكلها المجتمع على هواه ووفق مزاجه، عليك كعربي إنهاء الثانوية العامة في موعد معين وتخلفك شهر كامل فقط لإعادة أحد الامتحانات يعني أنك فاشل وسيبقى ذلك الفشل وصمة عار تلاحقك مدى الحياة حتى وإن أصبحت مديراً لكبرى المؤسسات، بعد الثانوية العامة عليك الخوض في ماراثون الحياة واختصار سنوات عمرك بخمس أو عشر سنوات تبعاً لجنسك، إن كنتي أنثى عليكِ خوض سباق الزواج والحصول على زوج لا يهم إن كان مناسب أم لا، المهم أن يحصل ذلك قبل عمر الخامسة والعشرين، وعلى الرجل أن يخوض ماراثون العمل وتأسيس بيت والزواج قبل عمر الثلاثين.

ربما لا يعتبر العمر هاجساً وعائقاً يواجهه الرجل كما المرأة، فمن ظلم مجتمعاتنا أن المرأة حين تصل عقدها الرابع تعتبر في سن اليأس بينما الرجل يعتبر في قمة نضوجه.

تلك النظرة الاجتماعية غير العادلة أعطت الرجل الحق في الزواج في أي عمر كان وربط حياة المرأة بعمر الإنجاب فقط وكأنها "ماكنة" لها صلاحية انتهاء، حيث ينسى ويتغاضى كثيرون على أن فكرة الزواج قائمة على المودة والرحمة وشعور الطرفين بالأمان والحماية والصحبة والونس ليستطيع كلاهما الاستمرار في الحياة ولم يرتبط بالإنجاب فقط.

إلا أن المجتمع والذي هو نحن أعطى لنفسه الحق بتحديد عمر الحياة، فنرى دائماً أننا نسلم بفكرة الموت ونحن أحياء مع أنه لا يعلم العمر وسنينه سوا الله، نشغل أنفسنا بالمستقبل ونجري لإنجاز أشياء كثيرة في فترة قصيرة تنسينا عيش الحاضر.

خلال العام الماضي كثرت مواضيع الزواج على وسائل التواصل الاجتماعي ولاقت انتشاراً واضحاً على الفيسبوك، إلا أن مشكلتنا الأساسية عند الحديث عن الزواج أننا نربطه بعمر معين نشغل أنفسنا بالتفكير بالمستقبل أكثر من الحاضر نؤمن بالقضاء والقدر ونتنكر له عند الحديث عن الزواج الذي نربطه برقم معين.

فكرة زواج كبار السن فكرة جديرة بالحفاءة في وقت نتحدث فيه عن ضرورة حدوث ثورة في منظومتنا الاجتماعية، فأولى تلك الثورات يجب أن تكون التوقف عن ربط الزواج بعمر معين، بعدها سيختفي من حديثنا مصطلح شبح العزوبية أو العنوسة الذي يطلقه المجتمع على كل فتاة لم تصادف بطريقها رجل يستحقها ويشعرها بالأمان الذي تبحث عنه وفقاً لقدرها الذي لا يعلمه إلا الله.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تقيم غدا الخميس زوجات السجناء المعتصمات في مقر نقابة الصحفيين المصريين يوما احتجاجيا يتضمن معرض رسومات زوجات وأطفال السجناء، ومعرضا لهدايا أزواجهن مما عملت أيديهم المقيدة بالأصفاد.

أشارت إحصاءات جديدة في إيران إلى ارتفاع نسبة الطلاق، مبينة أن أغلب حالاته تحدث في السنوات الخمس الأولى من الزواج. وتشير الأرقام إلى أنه يقع 19 طلاقا كل ساعة.

الأكثر قراءة