حلب.. وكرامتنا الباقية

ذكر ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" عن صلاح الدين الأيوبي، واصفاً حبه الشديد لمدينة حلب "ثم إن القلعة – يقصد قلعة حلب – وقعت منه بموقع عظيم، ثم قال: ما سررت بفتح قلعة أعظم سروراً من فتح مدينة حلب، وأسقطت عنها وعن سائر بلاد الجزيرة المكوس والضرائب"
 

وذكر ابن جبير واصفاً حلب بعد زيارتها "لها قلعة شهيرة الامتناع بالغة الارتفاع، معدومة الشبه والنظير في القلاع، تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع"
 

وكذا ذكر ابن ياقوت الحموي في معجم البلدان حيث قال "وأما قلعة حلب ففيها يضرب المثل في الحسن والحصانة"
 

ويبدو لي اليوم أن قلعة حلب أعطت أبناءها على مرّ التاريخ بعضاً من صفاتها وخصائصها، وما الصمود الذي نراه اليوم إلا تجلٍ عظيم من تجليات هذه القلعة الشمّاء.
 

تقف اليوم في حلب في صمود واستبسال منقطع النظير، وتشكل درع حماية تصد به كيد من اجتمعوا ضدها، وتحمي به مدينتها، والبقية الباقية من كرامتنا

وفي وصف حلب أنشد المتنبي يقول:
حببتك يا شهباء فانفرط الهوى … كما انفرط القلب الذي كان حانيا
فمزقتُ أسمائي كمن ضاع سره … وواجه عُري الريح في البرد عاريا
أمرُّ كأنِّي في الدروب مشردٌ … أودعُ في الحارات مَنْ كان وافيا
أودع أحلامي ومِنْ غير رجعةٍ … وأترك دمعي يستحلُّ المآقيا
فكل الذي حولي بقايا أحبةٍ … فلا كنتُ – إن ضاع الأحبة – باقيا
حببتك يا شهباءُ والحبُ سنتي … وما كنت أدري قد سننتُ فنائيا
 

اليوم.. كل المشهد تختزله حلب.. بشموخها وعظمتها وكبريائها، وبعظمة أهلها وشبابها.. وفي المقابل بتخاذل العالم عنها، وتجاهلهم من يقصفها، ويدكها صباح مساء.
 

كل معاني الكبرياء والعنفوان تتجسدها حلب، وكل معاني الذلة والهوان يتجسدها عدوها وجلادها.

حلب.. تلك الكلمة الجميلة التي تجمع حروف الحب، بكل رقيّها وجمالها، وفي المقابل يوجه إليها عدوها كل زفرات الكره، والحقد الذي يتملكه!
حلب.. الشموخ والإباء، والاستعصاء على النظام وداعميه، حتى غدت شوكة تخز حلقه وتهز أركانه.
حلب.. أكبر المدن السورية، بسكانها، وعظمة شبابها، وقدرتها على الصمود في وجه المحتل الغازي.
حلب.. أقدم مدن العالم المأهولة بالسكان، من الأموريين، وحتى العثمانيين، مروراً بالآراميين، والآشوريين، والرومان، والبيزنطيين!
حلب.. النقطة التجارية الاستراتيجية الأهم في نهاية طريق الحرير، ومركز تجارة الشام وصناعتها وزراعتها في العصر الحديث.
 

حقاً لا تكفي الكلمات في وصف تاريخ حلب، ومكانتها، ورمزيتها، وكما قال المتنبي:
كلما رحبّت بنا الروضُ قلنا … حلبٌ قصْدُنا وأنتِ السبيلُ
 

غدت حلب رمزاً من رموز الثورة وأيقونة من أيقونتها الملهمة، وأصبح موقعها الثوري استراتيجياً بمقدار أهميتها التاريخية

بعد خمس سنوات من ثورة الحرية والكرامة، غدت حلب رمزاً من رموز الثورة وأيقونة من أيقونتها الملهمة، وأصبح موقعها الثوري استراتيجياً بمقدار أهميتها التاريخية، وفي حملته الشرسة التي يشنها النظام وحليفه الروسي يتضح جلياً مقدار أهميتها، ورغبة النظام بعودة حلب إلى حضنه، ولكن هيهات بعد أن تنسم أهلها عبير الحرية، وذاقوا من رحيق الكرامة.
 

حلب التي انتفضت منذ بداية الثورة، وضجت مدينتها لاحقة بريفها، لاعنة الظالم وخارجة عليه، هي ذاتها التي تقف اليوم شامخة مرة أخرى، أمام النظام وحلفائه، وأمام العالم بدوله وأقاليمه، تشهد على تخاذل المجتمع الدولي وتقصيره في حمايتها، وصد المعتدي والباغي عنها، في أشرس هولوكوست وحرب إبادة تشهدها مدينة في العصر الحديث.
 

حلب هي بوصلة الأحرار اليوم، وقِبلة الثوار، وطريق العزة والإباء. والحقيقة أننا لم يعد لنا أمل إلا بالله، ومن ثم في ثلة باقية من خيرة شباب العالم، تقف اليوم في حلب في صمود واستبسال منقطع النظير، وتشكل درع حماية تصد به كيد من اجتمعوا ضدها، وتحمي به مدينتها، والبقية الباقية من كرامتنا..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

واصلت طائرات النظام السوري وروسيا غاراتها على مدينة حلب، وزادت من جراح المدينة التي ودعت مئات من أبنائها، وباتت مستشفياتها غير قادرة على التعامل مع الأعداد الكبيرة من الجرحى.

بثت قناة النجباء العراقية صوراً تُظهر الشيخ أكرم الكعبي زعيم مليشيا "النجباء" الشيعية يتجول بريف حلب الجنوبي، وقال إن زيارته تأتي في إطار الحرب ضمن "محور مقاومة الاحتلال والاستكبار العالمي".

الأكثر قراءة